بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

دور القبيلة ومستقبلها في شبه جزيرة العرب ـ 5 ـ

خالد عمران/ الدمام

موضوع الحلقة الثالثة من هذه الدراسة هو انهيار النظام الاقتصادي للقبائل العربية في شبه جزيرة العرب بعد استحواذ ـ آل سعود ـ على تلك المنطقة وتزوير أسمائها التاريخية المعروفة لتستبدل باسم عائلتهم فقط , وقد رأينا في الحلقة الماضية كيف تنكّر ـ آل سعود ـ لجيش ما يسمّى بـ ( الإخوان ) وهم الذين ساعدوهم لفرض سيطرتهم على شبه جزيرة العرب , من خلال عمليات الرعب والهلع التي أشاعوها بعمليات التقتيل الجماعية التي اقترفوها بحق سكانها ,ثم كيف انتهى حلف الطرفين بالتقاتل فيما بينهم وانتهائه بالقضاء على ذلك الجيش بشكل شبه كامل وسيطرة ـ آل سعود ـ النهائية على المنطقة.
 
انهيار النظام الاقتصادي للقبيلة
قاد الانهيار السياسي لسلطان القبيلة ودورها في شبه جزيرة العرب بعيد القضاء على ما يسمى بالإخوان إلى انهيارات متتالية على صُعُدٍ مختلفة, فالقبائل التي أقبلت على الهجر وتخلّت عن حياة الترحّل، معتمدة بالدرجة الأولى على مكاسب الغزو بدأت بالتخلّي عن مستوطناتها (بعضها على الأقل) وبدأت بالعودة ثانية إلى حياة الترحّل, ربما كان ذلك ردّة فعل سياسية على الهزيمة العسكرية القاسية، رغم أن التعاليم الدينية لهؤلاء كانت تحرّم "التعرّب بعد الهجرة" وتعتبره كفراً!!!.
 أيضاً فإن بعض فروع القبائل رأت خلاصها في الهجرة إلى خارج سلطة ابن سعود نفسه، فقد هاجرت قبائل من شمّر إلى العراق وبعض أفرع قبائل العجمان أرادوا أن يكونوا تحت سلطة الكويت. واليوم فقدت الهجر دالّتها الدينية التي أعطاها إياها الإخوان، وأصبحت مجرد تجمع عشائري تبنى فيه بيوت متقاربة للعشيرة المستقرة، دون الحاجة إلى الترحال وراء الإبل، فهناك من يقوم برعيها من العمال الوافدين، كما أن (وايتات المرسيدس) تأتي بالماء والعلف إلى عمق الصحراء. ورغم توقّف مشروع الهجر التوطيني القائم على أسس عقدية، وكذلك انهيار نظام الاعتماد على الحروب العسكرية كمصدر للعيش، فإن عدداً من القبائل في شبه جزيرة العرب، وفي بلدان عربية أخرى، اضطرّت إلى الاستيطان بالقرب من المناطق الحضريّة، وممارسة دور (الشاوي/ راعي الماشية) بدل البداوة الأصيلة (رعي الإبل) في القفار، رغم ما يحمل في طياته من (ضعة) حسب الأعراف القبلية, والسبب يعود بالدرجة الأساسية الى الجفاف الذي ضرب الجزيرة العربية مرّات عديدة في العقود الماضية، خاصة بين عامي 1958 و 1965 والذي أدّى الى هجرة كبيرة لقبائل البادية لم يُجرى استثمارها وتعزيزها, فما لبث أن قامت هجرة معاكسة بمجرد أن انتهت أزمة الجفاف.
 لم تكن هناك أراضٍ زراعية تلزم القبائل بالاستمرار في الاستقرار بقربها، ولم تكن السلطة المركزية قبيل عصر النفط قادرة على توفير الحدود الدنيا للسكان البدو ورجال القبائل عموماً، وهو أمرٌ لم تشهده قبائل مستوطنة في بلدان عربية أخرى, ففي العراق على سبيل المثال، وفي حركة سياسية بارعة منها، قامت السلطات البريطانية المنتدبة على ذلك القطر، بسنّ نظام للأراضي الزراعية، أعطت بموجبه مساحات شاسعة لشيوخ القبائل ضمن حدود (ديرتها) فأصبح شيوخ القبائل رجال إقطاع، أغنياء بممتلكاتهم الجديدة، وتحوّلوا في الجملة من عنصر مهدد للنظام السياسي الوليد هناك إلى داعم له، بل أصبح عدد من أولئك الشيوخ (أفندية) يقيمون في العاصمة معتمدين على الدخل المتأتّي لهم من الأراضي، وبذلك وقعت شروخ حادة في هيكل القبيلة وثقافتها، ونشأت حزازات بين قيادتها وأفرادها العاديين، رغم أن الشيوخ امتلكوا قوة مالية قادرة على إرضاء أفراد القبيلة، كما امتلكوا كلمة في السياسة الوطنية وظّفت في بعض الأحيان لخدمة القبيلة. وترافق مع ترسيم الحدود بين شبه جزيرة العرب وجيرانها، محاصرة لهجرات البدو الطبيعية، وإن لم يكن بشكل كامل، فقد استمرت هذه الهجرات مخترقة الحدود السياسية العراقية والسورية وحتى التركية والإيرانية إلى الثمانينات الميلادية, ترافق مع ذلك بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بشكل خاص، مما أدّى إلى القضاء على عزلة البدو إلى حد كبير، والى ازدياد البون بين قدرات القبيلة في مواجهة قدرات الدولة التي أصبحت معزّزة بالطائرات والأسلحة الجديدة الفتاكة.
وحتى قبل مجيء النفط، كما هو الحال في عدد من البلدان العربية، أصبح جهاز الدولة أكثر قدرة على تقديم تعويضات للقبائل، عبر الأراضي الزراعية كما كان في العراق، أو عبر الهبات المالية التي كان الجهاز الضريبي يتحصّل عليها، وبذلك كانت هناك إمكانية لتقديم الخدمات الاجتماعية للقبائل وجذبها إلى الاستقرار، وشراء رؤوسها، واستخدامها كوسيط بينها وبين أفراد القبيلة من أجل ضبطهم أمنياً, أضف إلى ذلك فقد صار بإمكان النظام توفير فرص عمل بديلة وبالخصوص في المجال العسكري حيث أُلحق ما تبقى من الإخوان بـما يسمّى بـ (الجيش الأبيض) والذي تحوّل فيما بعد إلى (الحرس الوطني)، بحيث يتلقى رجال القبائل رواتب منتظمة في وظيفة تتناسب مع شخصياتهم وذهنياتهم.
 ومع تصاعد المداخيل النفطية، وانهيار النظام الاقتصادي القبلي القائم على ما يشبه الاكتفاء الذاتي، أصبحت القبائل ورجالها مرتبطين بشكل مباشر بالنظام وأكثر اعتماداً على مواره, وهكذا تمّ إنضاب سلطة القبيلة سياسياً، وتدمير اقتصادها الرعوي، فأضحت القبيلة، في شبه جزيرة العرب إضافة إلى ما مثلته الانتكاسة العسكرية منذ تدمير ما يسمّى بالإخوان، مهيضة الجناح، سلبيّة مطواعة بيد السلطات السياسية تفعل بها ما تشاء .

(يتبع)