|
كان الهدف المركزي للدول القطرية الوليدة هو إخضاع القبيلة لسلطانها بشتّى الوسائل الممكنة، وقد اتخذ بعضها صفة دموية في مواجهات مباشرة ومعارك طاحنة، وفي بعض الأحيان تم تحييدها باستقطابها ضمن مشروع الدولة لتقويتها والفتك بأعدائها، تاركة للزمن فرصة تفكيك هيكلها السياسي والاجتماعي , وفي الوقت الذي كانت فيه الدول الوليدة تسعى جاهدة لخلق أجهزتها الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية بما يعزّز قدرتها على الحركة والتأثير عبر شبكة الاتصالات والمواصلات (استخدام السيارات والطائرات والأجهزة اللاسلكية) بحيث قضت على عزلة البدو في عمق الصحراء، وأشعرتهم بقدرة الدولة على الوصول إليهم في أي وقت.. كان موضوع تدمير بناء القبيلة متوازياً في الأهمية مع خلق تلك الأجهزة، من جهة محاصرة حركتها ضمن حدود الدولة حيث لعب ترسيم الحدود دوراً مهماً في تقليص قدرة القبيلة على خلق أزمات حدودية بين الدول المستقلة وجعلها مكشوفة الغطاء السياسي والأمني.
كما أدّى قيام الدولة إلى تفكيك سلطة القبيلة سياسياً، الأمر الذي مهّد إلى إضعافها اقتصادياً ودمجها ضمن قطاعات الدولة المختلفة، كما أدّى في مراحل لاحقة إلى استخدام أدواتها وهيكليتها القيادية إلى ضبط عناصرها وكذلك إلى ضبط الآخرين بواسطتها ممن يشذّون عن النظام السياسي والأمني العام.
وفي شبه جزيرة العرب كانت هناك تجربة مختلفة إلى حدّ كبير عن غيرها، فهي منطقة لم يطأها المستعمرون الغربيون، ولم تنشأ أجهزتها التي استحدثت بعد استيلاء ـ آل سعود ـ عليها عبرهم، كما هو الحال في كل دول الشرق الأوسط العربية الأخرى ، وهي ـ وإن كان البريطانيون قد ساهموا سياسياً ومالياً وسياسيا في ظهورها ـ فقد اتخذت سياسات مختلفة تجاه القبيلة بناء على تجربتها الخاصة بها, والدولة التي أنشأها ـ آل سعود ـ على أنقاض دول أخرى في تلك المنطقة بطرق ووسائل ودسائس مختلفة, كان للقبائل دور بارز ومركزي في نشأتها من الناحية العسكرية عبر مشروع ما سمّي فيما بعد بـ ( الإخوان ) الذين تم توطينهم في (الهجر).
وفي العادة تنشأ السلطة المركزية أو أنويتها في مركز حضري ثم تتوسع تلك السلطة وتتعزز بخلق الأجهزة الأمنية والعسكرية وتمدّ سلطانها إلى خارج المراكز الحضرية لتصل إلى القبائل في الصحراء فتتصارع معهم وتخضعهم وتجذبهم إليها, أما في شبه جزيرة العرب ، فإن الذي حدث كان شيئاً معاكساً تقريباً, فقد نشأت سلطة ـ آل سعود ـ بحد السيف والقتل والإرهاب في مركز شديد التصدع سياسياً، ولم يكن كثيف السكان، ولا يحمل أهمية استراتيجية من نوع ما, وكانت المشكلة التي واجهت المركز الذي أقامته تلك الأسرة في (الرياض ـ نجد) هي الامتداد وإخضاع المراكز المتمدّنة الأكثر أهمية في الشرق والغرب من خلال عمليات عسكرية سفكت فيها دماء عشرات الآلاف من البشر لتشمل في النهاية (الأحساء والقطيف والحجاز) بشكل خاص، عبر التوسع والاحتلال العسكري.
ولهذا السبب، عمل ـ آل سعود ـ منذ البداية على إيجاد قوّة عسكرية يمكنها أن تقضي على دولة الحجاز التي كان يسيطر عليها الأشراف، وعلى إمارة الشرق التي كان يسيطر عليها العثمانيون، ومن هنا جاءت الفكرة الجهنمية التي استند إليها ـ آل سعود ـ بهدف استغلال ثنائية ـ الدين ـ وـ القبيلة ـ لتكوين جيش بدوي قادر على اكتساح القوى المحلية الصغيرة في نجد , والحجاز , ومجابهة الجيوش المنظمة في الشرق والغرب, ومن هنا كان وجود ذلك الجيش الذي عرف فيما بعد باسم ـ الإخوان ـ والذي تمكن من اكتساح شبه جزيرة العرب بالقوة وحد السيف ليقيم على أنقاض شعوبها ودولها السابقة وبواسطة بحار من الدماء ما يعرف اليوم باسم ـ السعودية ـ .
وكان ـ آل سعود ـ الذين كان يخطط لهم البريطانيون من خلف الستار لكيفية الاستحواذ على أقاليم شبه جزيرة العرب وشعوبها يعرفون انه لم يكن بالإمكان إخضاع القبائل بالقوة وحدها، وإنّما يجب استخدام سلطة الدين، وهي أيضًا نصيحة بريطانية قدمها العميل الإنجليزي ـ فيلبي ـ وهن هنا كانت "الوهابية" المزعومة هي الغطاء والوعاء الأيديولوجي للتوسّع والسيطرة .
كان الإنجليز يعرفون انه لا بد من وجود عقيدة تسمو فوق القبلية، وإن مؤقتاً،
تستهدف من الناحية السياسية التوسع، ومن الناحية الدينية نشر ما تم الادعاء
بأنه "العقيدة
الصحيحة" أي "الوهابية",
بحيث تعطي للقبلي البدوي في تلك الفترة هدفاً أبعد من أرنبة أنفه.. وتعطي
للقتال ضد بقية القبائل العربية في شبه جزيرة العرب واستخدام السيف ضدها
معنى أفضل وهدفاً أسمى، وغاية أكثر نبلاً في نظر معتنقي ذلك المذهب الظلالي
المُفسد ، وقد قبل البدو "الفكرة الوهابية"، بعضهم اقتناعاً، وبعضهم رغماً
عنه (قبيلة العجمان مثلا) تحت طائلة التهديد بالقتل، وبعضهم طمعاً في
المغنم الاقتصادي, لكن القوى السياسية التي أدارت معركة تشكيل البنيان
العسكري للقبائل ضمن سلك ما يسمّى بالإخوان وهم أساسا من أتباع ـ آل سعود ـ
لم تكن تستهدف تحقيق الغاية الدينية بالمعنى ألحصري، بل كان الحافز السياسي
وحافز الاستحواذ والسيطرة بالبطش والإرهاب هو الذي كان يلعب الدور الفاعل
في توجيه المعركة لتحقيق أغراض تلك الأسرة المجرمة .
ولكي تكون "
العقيدة الوهابية
"المُبتدعة مرتكزاً أساسياً بحيث تعطي أكلها، اتفق ـ آل سعود ـ وحليفهم ـ
محمد بن عبد الوهاب ـ على ضرورة أن تعطى تفسيرات حادّة متطرّفة جامحة
لتنفيذها , وإلاّ فقدت قدرتها على الحشد والدفع والقمع , وقد كانت البدعة "
الوهابية " مهياةً لأن تلعب هذا الدور نظراً للبيئة الاجتماعية والجغرافية
التي نشأت فيها والظروف السياسية والتاريخية والفكرية المريبة التي أحاطت
بمناطق ظهورها خاصة في تلك المناطق التي كان الإنجليز يعملون جاهدين على
تهيئتها لتنفيذ مراحل تآمرية خطيرة تستهدف العرب جميعا في المستقبل
,وتستهدف من ناحية أخرى غرس الكيان الصهيوني في قلب وطنهم الكبير, ولهذا
كان لا بد للفكر المفسد"الحاضن" أن يُبطن عقيدة التوسع في صورتها الحادّة،
وأن يحقن أتباعه بالمشاعر الدينية المتحفّزة لتحقيق الغايات السياسية
الكبرى المقبلة , ومن هنا تحوّل غزو القبائل الرافضة لذلك الفكر المنحرف
ومن يقوم عليه من أتباع ـ آل سعود ـ إلى (جهاد ديني ) ضد الآخر الخارجي
الكافر والمُشرك الذي يحل دمه وماله وعرضه وخاصة في المراكز المدنية
الأخرى.. كما أعيد تسمية النهب والسلب دينياً ، بحيث أصبحت جميعها (غنائم)
، وكان "الإمام" يتقاضى خمسها.
|