|
اهتمت الدراسات الأكاديمية خلال العقدين الماضيين بدراسة موضوع "القبيلة" في بعض البلدان العربية رغم طغيان الاهتمام بموضوعات أخرى شغلت المنطقة في ذات الفترة، مثل مواضيع ما يسمّى بـ (الأصولية الإسلامية) و (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) وغيرها.
وقد جاء هذا الاهتمام بعد فترة طويلة اعتقد خلالها الكثيرون أن دور القبيلة والانتماء القبلي في تكوين الكثير من دول المنطقة قد شارف على النهاية، أو انتهى فعلاً، وذلك على ضوء تصور يقول أن الحسّ القبلي أعيد توظيفه في السياسة من جديد، أو جرى التأكيد عليه بشكل غير مسبوق في بلدان قطعت شوطاً واسعاً في مجال التحديث الاقتصادي والسياسي , ويسود اليوم اعتقاد راسخ بأن القبيلة كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي، المُعتمد على روابط القرابة والحيّز المكاني والقيادة، شهدت حالة من الانبعاث لأسباب سياسية واجتماعية محليّة, إمّا بمعزل عن الدولة , أو تماشياً مع رغبتها, بل وإلحاحها أحياناً، فعبّرت عن نفسها بأشكال مختلفة، وامتدّ تأثيرها إلى مختلف القطاعات الثقافية والعسكرية والأمنية.
وقد أكدت الدراسة موضوع حديثنا هنا والتي أعدها الأستاذ ـ مرتضى السيد ـ إن أكثر دول الشرق الأوسط لها صلة وثيقة بموضوع القبيلة، فبعضها نشأ اعتماداً على بنية قبلية، وبعضها الآخر تمثل القبيلة من حيث العدد قدراً يزيد أو يقل ولكنه مؤثر بالنسبة لعدد السكان الإجمالي، ومن هنا فإن جذور الانتماءات القبلية لا تزال ضاربة في عمق التاريخ رغم التحولات الكبرى التي شهدتها الدول القطرية الفتية في المنطقة، وبالتالي فإن دور هذه الانتماءات مسألة مفروغ منها إلى حدّ ما، وإنما يدور النقاش حول مدى تأثيرها، وهو أمرٌ تحدده عوامل متغيرة، لها صلة بنشأة الدولة القطرية نفسها وعلاقتها بالقبيلة وسياساتها العامة، إضافة إلى طبيعة البناء القبلي، وتراث كل قبيلة السياسي منه والثقافي، وغير ذلك , وهذا يجعل دور القبيلة خاضعاً للمدّ والجزر, قد يتخذ ذلك الدور أشكالاً مختلفة في التعبير والممارسة، وقد يستخدم من مختلف الأطراف لصالح الدولة القطرية أو ضدها، لتحقيق أهداف مختلفة ومتعارضة في كثير من الأحيان.
وشبه جزيرة العرب التي استولى عليها ـ آل سعود ـ وأطلقوا عليها اسمهم هي واحدة من الدول في المنطقة التي تسود فيها الانتماءات القبلية، ودراسة القبيلة ودورها السياسي أمرٌ مهم لمعرفة مجريات السياسة اليومية فيها، وهي نافذة يمكن الإطلال منها على المستقبل الذي تحدده عناصر وتشكيلات اجتماعية عديدة, وهذه المقالة المختصرة، ستحاول :
• تحديد انحدار وانبعاث الانتماءات القبلية، أسبابه ونتائجه.
• تحديد الدور، أو الأدوار التي تلعبها القبيلة في الوقت الحاضر.
• تحديد الأشكال التي تتمظهر بها القبيلة في التعبير عن ذاتها وصيانة مصالح أفرادها.
• تحديد الآثار المستقبلية الناتجة عن تراجع أو تعاظم دور الانتماءات القبلية في شبه جزيرة العرب .
انحدار دور القبيلة:
الأسباب والنتائج
يمكن اعتبار ثلاثة عوامل رئيسية سبباً لأفول نجم القبيلة، في منطقة الشرق الأوسط عموماً وفي شبه جزيرة العرب على وجه الخصوص.
الأول:
قيام الدولة القطرية
فقد وجدت الدولة القطرية نفسها في بداية نشأتها في مواجهة مع القبائل كهياكل اجتماعية وكثقافة وانتماء, لقد اعتبرت القبيلة عنصر إقلاق وعدم استقرار بل عنصر خطر وانشقاق، يمنع سيادة الدولة من التحقق على كل الأفراد، ويمنع تحقق سيطرتها كقوة غالبة قاهرة على جميع القوى.. كما وجدت الدولة في بداية نشأتها أن الانتماءات القبلية تمنع تطور الهوية القطرية (القومية) الوليدة، وليس فقط كعقبة أمام سيطرة النظام والقانون، وأمام قيام حكومة مركزية, وبسبب هذه الرؤية، اعتبر الصدام بين الدولة والقبيلة أمراً حتمياً، كما اعتبر التعايش معها دليلاً على ضعف الدولة.
وقد عدّ بعض الباحثين القبيلة وحدة سياسية إن لم تكن تشكل وحدة ثقافية متميّزة, وإن وجودها السياسي ـ خاصة ما قبل قيام الدولة ـ كان حلاّ سياسياً لمشكلة سياسية، بمعنى أنها كانت بديلاً عن الدولة وعن تشظّي السلطة المركزية، وقامت بدورها حينما كانت الدولة غائبة، الأمر الذي يستدعي إزالة نقيضها الموضوعي، أي القبيلة، أو زوالها التلقائي بقيام الدولة، إمّا لانتفاء غرضها السياسي وانسحاب مهامها إلى المركز من جديد، أو لأن مقاومتها لقيام سلطة مركزية أمرٌ حتمي دفاعاً عن مصالحها وموقعها السياسي، مما يجعل الاصطدام بين الدولة ودور القبيلة السياسي أمراً لا فكاك منه, بيد أن هناك من يجادل بأن الصدام ليس حتمياً بالضرورة.
|