|
هاجمت ـ مي يماني ـ ابنة وزير النفط السابق أحمد زكي اليماني عائلة آل سعود المتسلّطة على شبه جزيرة العرب وتنبأت بسقوطها, وذلك في كتاب ومحاضرة في لندن.
ووفقا لما نشرته مجلة "المشاهد السياسي" في أحد أعدادها الأخيرة فإن أمراء آل سعود يعطّلون خطوات الإصلاح عن عمد خوفًا على مناصبهم, وذكرت المجلة أن مي يماني تعمل حالياً في "المعهد الملكي للشؤون الدولية" في بريطانيا، بعد تخرجها من جامعة أكسفورد العريقة, وعملها كمحاضرة جامعية ومشرفة على دراسات وأطروحات، وهي من أبرز الاختصاصيين العالميين في شؤون شبه جزيرة العرب وشؤون آل سعود.
وفي كتابها الذي صدر مؤخراً بعنوان (مهد الإسلام، الحجاز والبحث عن هوية عربية) اقترحت الكاتبة على أمراء آل سعود الاستماع إلى المقترحات الجديرة بالاهتمام كإنشاء نظام دستوري ديمقراطي, والكف عن الإلقاء بمقترحي هذه الأفكار في السجون، كما أوصت بوجوب قيام نظام آل سعود بحوار جدّي وبنّاء مع الحجازيين والمعارضين والفئات الأخرى في المجتمع, والكفّ عن سياسات الإملاء والإلغاء والإقصاء التي يمارسها النظام .
والكتاب وفقاً للمشاهد السياسي ذو أهمية سياسية كبيرة بالإضافة إلى أهميته الأكاديمية كونه يتطرق إلى محاولة عائلة آل سعود إلغاء الوجود السياسي والهوية الاجتماعية لمنطقة الحجاز وأهلها في السنوات التي تلت غزو أهالي نجد لمملكة الحجاز واستيلاءهم على المدن المقدسة الواقعة فيها وعلى خيراتها الاقتصادية والإنسانية, ومحاولتهم محوها من الوجود عن طريق دمجها القسري في نظام آل سعود الذي تم فرضه فرضًا.
وفي الصفحة الأولى، ذكرت ـ يماني ـ أنها تقدّم كتابها إلى والدها وزير النفط السابق أحمد زكي يماني الذي وصفته بأنه "يسافر معي في قلبي" وفي تمهيد الكتاب، تحدثت يماني عن منهج البحث الذي اعتمدته مؤكدة أنها قابلت عددًا كبيرًا من الحجازيين خلال عملها كأستاذة في إحدى الجامعات هناك، وقبل انتقالها إلى بريطانيا، وقالت إنها لن تذكر أسماءهم لكي لا يتعرضوا لخطر القمع من جانب نظام آل سعود, نجدي التوجّه، بيد أنها أشارت إلى أنهم أبدوا حماساً ورغبة كبيرين للتعبير عن آرائهم وأوضحوا انزعاجهم الكبير من الأوضاع السائدة حاليا في شبه جزيرة العرب, وتشير في مطلع الكتاب إلى الفوارق في تعامل بها عبد العزيز آل سعود مؤسس نظام آل سعود مع الحجاز والحجازيين لدى تأسيس نظامه، بالمقارنة مع تعامل أبنائه الذين يطلق عليهم لقب "السديريين" في مراحل لاحقة من تاريخ النظام، وقالت إن عبد العزيز وفي منتصف العشرينيات "لم يحاول ابتلاع مملكة الحجاز مدركًا أن استيعاب مجموعة سياسية واجتماعية متطورة كالحجاز دفعة واحدة ودمجها في مملكته النجدية سيشكل أمراً صعبًا, وبدلاً من ذلك فقد اعتمد عبد العزيز الدمج المرحلي وأبقى في المرحلة الأولى على الجهاز الإداري الذي كان موجودًا عندما حكم الحجاز الأشراف الهاشميون".
كما عيّن عبد العزيز ابنه فيصل نائب الملك مسؤولاً عن منطقة الحجاز في آب (أغسطس) 1926 واعتبر بأن الدستور الذي كان معمولاً به في مملكة الحجاز ما زال مطبّقاً, وأضاف إليه تعريفًا لدور نائب الملك ومجلس الشورى، كما نجح في تخفيف حدّة الحملة التي شنّها الوهابيون الحنبليون ضد المعالم الدينية الحجازية المنفتحة على شتّى المذاهب الإسلامية (الشافعية, والحنفية, والمالكية) ولكن ذلك لم يحل دون تدمير الوهابيين النجديين بالتآمر سرًا مع عبد العزيز لمزار ضريح النبي محمد صلى الله عليه وسلم, وبيت خديجة زوجة النبي, ومنزل أبي بكر الصديق، أول الخلفاء الراشدين.
غير أن اختفاء آل سعود خلف الوهابيين سرعان ما تم الإعلان عنه علنًا وشكل ذلك نقطة التحوّل الأساسية في تاريخ مملكة الحجاز ـ حسب مي يماني ـ وهو ما تم في أيلول (سبتمبر) 1932 عندما أعلن المجرم عبد العزيز آل سعود دمج مملكة الحجاز في مملكته النجدية على الرغم من انه كان قد أعلن في خطاب ألقاه في مكة المكرمة عام 1924 عن رغبته في إبقاء نوع من الاستقلالية للأشراف الحجازيين وللعلماء والتجار الحجازيين وللهيكلية الإدارية في الحجاز, ومع مرور الزمن، اضمحلت هذه الهيكلية الحجازية الإدارية وأصبحت تحت هيمنة الطغمة النجدية.
وأدّت سيطرة آل سعود على الحجاز بالقوة العسكرية إلى نشوء حركات معارضة لدى سكان الحجاز, فبعد سقوط جدة بأيدي النجديين تقول يماني، تأسست "جبهة حماية الحجاز" في مصر، كما تأسس "حزب التحرير الحجازي" الذي دعا إلى نشوء دولة مستقلة في الحجاز, وقد منع المجرم عبد العزيز بن سعود نشاطات أي حزب سياسي في الحجاز في عام 1932 وأمر باعتقال أعضائه, وهذا الموقف ما زال متبعاً من جانب السلطات الأمنية لآل سعود حالياً.
وتشير يماني إلى أن الحجازيين كانوا ينظرون إلى أنفسهم (وينظر الناس إليهم) وكأنهم شعب مختار وخصوصًا بسبب روابطهم القوية مع الأماكن الإسلامية المقدسة (مكة والمدينة تقعان في الحجاز) كما أن الحجازيين كانوا منفتحين على العالم ويملكون أجهزة إدارية متطوّرة نسبيًا, بالإضافة إلى هويّة حضارية خاصة تشمل تقاليد وعادات تنظم شتّى أمور الحياة والموت.
وقد حاول نظام آل سعود النجدي، حسب يماني، القضاء على هذه الهوية الحضارية والعادات المرتبطة بها وأدّى ذلك التهميش إلى محاولة الحجازيين تثبيت هويّتهم عن طريق التعلّق بعاداتهم وتقاليدهم, وصاروا يميلون إلى تقوية علاقاتهم بالدول العربية والإسلامية المجاورة على حساب علاقاتهم بالمجموعات النجدية لآل سعود.
وأدّى التطوّر الاقتصادي السريع في شبه جزيرة العرب بين أعوام 1950 إلى 1980، حسب يماني، إلى انفتاح أكبر لمنطقة الحجاز إزاء باقي العالم وإزاء الأفكار والفرص التعليمية والتجارية فيه.
أما الآن، تقول يماني بحسرة، فقد تحوّلت منطقة الحجاز إلى كيان لا هويّة له، وقد أزيلت هويّتها رغماً عنها من خارطة شبه جزيرة العرب, وصارت تسمّى "الإقليم الغربي" وإذا سُئل حجازي يسكن في المدن عما يعنيه الحجاز حاليًا فإنه سيجيب: "الطائف، مكة، جدة والمدينة" أما الحجازي الذي ينتمي إلى القبائل فإنه يُعرّف نفسه بقبيلته أولاً وبحجازيته ثانيًا.
وتشير يماني إلى أن الحجازيين يخشون تزويج بناتهم إلى النجديين بسبب ميل النجديين إلى التعامل مع الزوجة والزواج بطريقة مختلفة عن طريقة الحجازيين, فالحجازيون يحترمون دور المرأة على شتّى الأصعدة، وخصوصًا في العائلات الشريفة ولا يحبّذون كثرة الزوجات, وتشير يماني إلى أن تركيز الحجازيين على ممارسة تقاليدهم، كما كانوا يفعلون سابقًا، يؤكد رغبتهم في العودة إلى استقلاليتهم كما كان الوضع خلال الحكم الهاشمي للحجاز وقبل تعرّضهم للغزو من جانب آل سعود.
وتؤكد يماني أن ـ عائلة آل شيخ ـ النجدية وهي من سلالة محمد بن عبد الوهاب الذي أسس ما يسمّى بالحركة الوهابية وشارك مع المجرم عبد العزيز في تأسيس نظام آل سعود، هي الآمر الناهي في الشؤون الدينية في شبه جزيرة العرب حاليا , كما تشير المؤلفة إلى انزعاج الحجازيين، وخصوصًا النخبة منهم، من الهيمنة الاقتصادية والسياسية والدينية التي يمارسها آل سعود (مصاهرو السديريين) وآل الشيخ والمجموعات النجدية على حياتهم.
ويميل الحجازيون في المقابل برأيها إلى الرغبة في تقوية علاقاتهم بالشعوب العربية والإسلامية المجاورة، وخصوصا في مصر وسورية واليمن والأردن، والى التفاعل مع هذه الشعوب, أما عائلات الأشراف الحجازيين التي يبلغ عددها حوالى الـ 52 فهناك بعض منها يعتبر أنه من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبيلة (قريش) شأنهم شأن الهاشميين.
ويضخّ الحجازيون الأشراف، حسب يماني، الكثير من أموالهم في جمعيات خيرية تابعة لهم أصبحت ضخمة الحجم والتمويل .
وتحاول وزارة داخلية آل سعود، حسب يماني، منع انعقاد المجالس الحجازية التي يتم فيها بحث الأمور العامة، والتي تنعقد في العادة أسبوعيًا، وقد تلقى (حسب يماني) بعض الحجازيين تهديدات هاتفية أو عبر الرسائل من هذه الوزارة تحذّر من عقد مثل هذه المجالس, وكان التركيز في هذه التهديدات على كونها تنعقد بشكل مستمر وفي أماكن محددة ذات معنى حضاري وعلى فحوى المواضيع التي تبحث.
وتؤكد يماني أن الطبقة التجارية الحجازية كانت في مطلع القرن الماضي أكثر خبرة في التجارة مع باقي دول العالم وامتلكت قدرة في اللغات والاتصالات، وكان وضعها المالي أفضل بكثير من وضع النخبات النجدية، وقد اكتسبت المزيد من الخبرات والمقام الاجتماعي خلال الحكم الهاشمي للحجاز, أما بعد الخمسينيات، فقد تبدلّ وضع المجموعة التجارية الحجازية وانحدر نحو الأسوأ وانقرضت بعض الوظائف والمؤسسات التي كان الحجازيون يعتزّون بها خلال الحكم الهاشمي وخلال الحكم العثماني.
وتحدثت المؤلفة عن وظائف "المطوّفين" بين الحجازيين الذين كانوا يقودون الحجاج إلى أماكن العبادة ويهتمون بأمورهم خلال الحج، وكيف استولت وزارات آل سعود على هذه الوظائف وانتزعتها منهم، واعتبرتها الكاتبة مثلا على سعي آل سعود المحموم للقضاء على الهويّة الحجازية الاجتماعية والاقتصادية, كما أشارت من خلال ذلك إلى استيلاء نظام آل سعود على جميع الموارد المادية الأخرى التي كان الحجازيون وقادتهم يحصلون عليها من مداخيل الحج.
كما ذكرت أن رجال الدين الحجازيين كانوا من خريجي الأزهر في مصر وكانوا يرتبطون بمدارس الفقه الشافعية والحنفية والمالكية, أما علماء نجد الوهابيون فيتبعون المذهب الحنبلي ويفرضونه على باقي المذاهب الفكرية فرضًا وعلى المسلمين الآخرين, وأشارت إلى أن النساء الحجازيات كنّ على معرفة وثيقة بالقرآن وبالدين، وكنّ يتناقشن في شؤون الفقه مع العلماء, وهو أمر لم يكن موجوداً أبدًا لدى النساء النجديات.
وتؤكد يماني مرة أخرى أن رغبة المجرم عبد العزيز بن سعود (مؤسس النظام) في إعطاء الحجازيين ورجال الدين بعض الاستقلالية في عام 1924 تمّ التخلّي عنها فيما بعد، على الرغم من أن ابنه فيصل بن عبد العزيز بذل جهدًا في مجال محاولة تفهم الحاجات الحجازية, والمشكلة حسب الكتاب، بدأت عندما تسلم خالد (عام 1975) ومن بعده فهد (أي السديريون) الحكم في البلاد واللذين أعادا سلطة تكاد تكون مطلقة للوهابيين ولممثليهم من آل الشيخ في القطاع الديني في البلاد.
|