|
تآكل أسس العلاقات بين الطبقة السياسية الحاكمة والقبائل
صنّفت عائلة آل سعود نفسها منذ البداية على أنها نخبة مدنيّة تسمو فوق كل النخب، وأنها أعلى من أن تصنّف قبليّاً أو تُربط بقبيلة، أو توضع بنديّة مع القبائل الأخرى, بل أنها رأت نفسها فوق كل العوائل الحاكمة في العالم العربي، إمّا لأنّها تملك سلطة على أرض لا يملكها غيرها من حيث الحجم، وإمّا لأنها تزعم لنفسها رسالة دينية تحملها، وإمّا لأنها ترى نفسها أرقى عرقياً من كل العوائل الأخرى بما فيها العائلة الهاشمية الشريفية التي كانت تحكم الحجاز والعراق، رغم أنها تُنتسب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم
).
وعلى الرغم من كل فعله آل سعود فإن الفاصلة بين قبائل شبه جزيرة العرب وعائلة آل سعود لم تكن أبعد منها اليوم من أي وقت مضى، بل أن الفاصلة الذهنية والاجتماعية بين الطرفين أصبحت اليوم كبيرة للغاية، بسبب أن هذه العلاقة اتّخذت من طرف آل سعود شكلاً يمكن وصفه بأنه (استعلائي) منذ زمن بعيد، ومن زاوية معاكسة اتخذت صفة (استجدائية) من جهة القبائل نفسها, بمعنى أن الرابطة القديمة بين الطرفين تقلّصت جداً وانحصرت بموضوع العطايا والهبات وما أشبه، وحتى هذه الرابطة التي كانت تؤمّن شيئاً من الهدوء بين رجال القبائل ضمرت وربما يكون لها في المستقبل آثار كارثية على عائلة آل سعود .
ما وددت المجادلة بشأنه هنا، أن التباعد النفسي والسلوكي المتصاعد بين عائلة آل سعود وشرائح اجتماعية عديدة، وفي مقدمتها القبائل، ينذر بدق إسفين في سياسة الاحتواء التي مورست تجاه القبائل، الأمر الذي سيطلق سراحها لتعود إلى ممارسة دور أكثر استقلالية عن الحكم إن لم يكن ضدّه, هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القبيلة ككيان اجتماعي تجد نفسها مضطرة لتفعيل أدواتها الثقافية لمواجهة مشاكل لم تكن مهيّئة لمواجهتها، بل ظهرت بصورة فجائية، خاصة في المجال الاقتصادي.
وفي المجال الاجتماعي، ربما وجد بعض الباحثين في مراحل سابقة من تاريخ آل سعود، وساعدهم في ذلك شيء غير قليل من الجهل بالعادات والأعراف القبلية، أن سياسة الاحتواء للقبائل قد جاءت عبر مصاهرتها، حتى أنه يقال ويكتب في بعض الأحيان بأن المجرم عبد العزيز لم يترك قبيلة إلاّ وأصهرها ولو لليلة واحدة ليرضي نزواته الجنسية من جهة وليضحك بذلك على القبائل التي قبلت مصاهرته بتلك الطريقة السمجة ، ويستخلص الباحثون الذين تناولوا هذا الجانب إلى نتيجة مفادها أن سياسة الاحتواء عبر المصاهرة أو ما كان يعرف بـ (زواج لمدة ليلة) كانت حاسمة في تهدئة قبائل شبه جزيرة العرب وتطويعها أمنياً, وهو الهدف الأساسي من تلك المصاهرات.
وحتى لو صدق هذا القول، فإنه لم يستمر حتى اليوم, فقبائل شبه جزيرة العرب رفيعة الشأن، كانت في بداية تأسيس النظام تنظر إلى نفسها بشيء من النديّة مع عائلة آل سعود، وكانت الأخيرة قبل حيازتها لكامل السلطة تراعي بعض الأعراف القبلية في مضمار الزواج، وإن كان قد اتّخذ مساراً أحادياً منذ بدايته.. بمعنى أن أمراء من عائلة آل سعود بإمكانهم الزواج من نساء مختلف القبائل، ولكن لا يمكن لأفراد قبليين مهما بلغ شأنهم الزواج من فتيات عائلة آل سعود، خشية أن يؤسس ذلك لمطالبات لاحقة بتخصيص السلطة أو تقسيمها، واقتصرت المداخلات العائلية لآل سعود على أفخاذ قبائل محدّدة مثل السدارة، وآل ثنيان، وآل الشيخ.
يضاف إلى هذا، بأن شخصاً واحداً فقط (وهو المجرم عبد العزيز) دخل في أتون الزواج المكثّف من فتيات قبليات, وهي زيجات لم يكن عمر الكثير منها سوى ليلة واحدة كما أسلفنا من قبل، أو أسابيع على أكثر تقدير، وقد قيل في فترة من الفترات بأن تلك الزيجات كانت من أجل تضميد جراح القبائل المهزومة عسكرياً، بينما كان في حقيقته الخفيّة تأكيد لانتصار آل سعود أكثر من كونه وسيلة احتواء وإسدال الستار عمّا مضى، ومن أمثال ذلك زواج ذلك المجرم من الرشيدية بعد سقوط حائل، ومن زوجات رؤساء القبائل المهزموين المقتولين، مثل عبد العزيز بن فيصل الدويش وغيره.
على أن هناك مبالغة فيما يبدو بآثار ونتائج زيجات الاحتواء، فإضافة إلى أن أثرها كان محدوداً ومؤقتاً، تشير مطالعة سريعة لأبناء مؤسس النظام المجرم (عبد العزيز) إلى حقيقة أن ستة فقط من مجموع الأبناء الـ 45 ولدوا لأمهات كنّ ينتمين إلى قبائل صريحة النسب، مثل عبد الله وأمه من قبائل شمر (الفهدة بنت عاصي بن شريم) وسعود وشقيقه تركي ولدا من أم (خالدية)، إضافة إلى مشهور وأخويه الشقيقين ولدا من أم تنتمي إلى قبيلة (الرولة) أما بقية الأبناء فولدن لأمهات يعدن بنسبهن إلى السدارة (السديريين) والى آل الشيخ، وأخريات من عائلة آل سعود (فرعي الجلوي والثنيان) في حين أن نحو 17 من الأبناء ولدن لأمهات كنّ (جواري) ويجري التمييز ضدّهم حتى بين الأخوة, ومن بينهم الكثير من ـ أبناء عبد العزيز ـ أنفسهم .
ومما يؤكد أن الاحتواء القبلي كان محدود الأثر، ما قيل من أن إحدى زوجات المجرم عبد العزيز الرشيديات حاولت قتله بالسم فأصابت عينيه بالعمى شبه الكامل، وأن قاتل فيصل كان من أم رشيدية، فضلاً عن أن العلاقة بين "آل الرشيد" وآل سعود لا تزال بمثابة النار تحت الرماد, وفي الوقت الحاضر، لا أحد بين الأمراء يمارس سياسة الزواج من أجل الاحتواء، رغم أن القبائل لا تزال تحمل إمكانية ولو نظرية بتهديد السلطة الأمنية والسياسية القائمة.
|