|
العنصر الثالث الذي يمكن الإشارة إليه في عودة انبعاث دور القبيلة في شبه جزيرة العرب هو ـ ضعف دور ما يسمّى بـ"المؤسسة الدينية"التابعة للنظام في القيام بتنشئة الهوية الوطنية من جهة إذابة الروابط والثقافات القبلية، وكذلك عجزها عن تحقيق مشروعية دينية للبنيان السياسي قادرة على الصمود, وفي الحقيقة فإن عكس ذلك هو ما حدث, فقد تظافرت الروح الدينية والقبلية معاً لتأكيد الهويات الفرعية، وجرى استخدام الدين وبصورة لافتة، خاصة في السنوات الأخيرة، لضرب قاعدة السلطة السياسية ولربما بناء النظام نفسه.
كان هناك تعويل بقدر ما على الدين/ المذهب الوهابي، للتخفيف من حدّة العصبيات القبلية وتأسيس انتماءات فوق قبلية، ولكن الدين هنا ليس فقط غير كافٍ للتعويض عن نقص الانتماء الوطني، بل يمكن اعتباره سلاحاً ذو حدّين.
فالروح القبليّة إذا ما تظافرت مع الروح الدينية (المتعصّبة) تقود على الأرجح إلى مواجهة النظام السياسي القائم بغية استئصاله, كما أنه وحسب التجربة التاريخية الحديثة لنظام آل سعود، فإن الانتماءات القبلية تغلّبت على الانتماءات الدينية فيما يسمّى بـ "حركة الإخوان" حيث كان ـ ولا يزال ـ لوقوف المشايخ في الجملة إلى جانب سلطة عائلة آل سعود أثرٌ كبير في إرساء قواعد دينية للطاعة والولاء، ولكنها لم تكن وليست في الوقت الحاضر كافية، بالنظر إلى حقيقة أن المؤسسة الدينية أصبحت لا تمثل ما يسمّى بالإسلام الشعبي، وبالتالي أضحت قدرتها في تأطير الأفراد دينياً وسياسياً غير فاعلة بما فيه الكفاية, بل وخاصة بعد افتضاح أمر تلك المؤسسة واكتشاف أنها ليست سوى واجهة لتبرير بطش النظام بالناس وتبرير تصرفاته وعمالته للغرب .
لا ننس أيضاً، أن الروح القبلية في حركة "جهيمان العتيبي" في نوفمبر 1979، أعادت إليه نزعة الثأر نظير ما لحق بأجداده وأبناء قبيلته في أواخر العشرينيات الميلادية من القرن الماضي, وقد وظّف جهيمان تلك الروح القبلية في إطار حركة دينية تنزع إلى تكفير المشايخ الرسميين وتتهمهم بممالأة السلطات والتدليس، كما هو واضح من رسائل جهيمان نفسه، وليقوم بعدها بمواجهته الدامية بالاستيلاء على الحرم المكي الشريف.
ولذا يمكن القول، بأن الروح الدينية لا تعني بالضرورة إضعافاً للروح القبلية، بل قد تشدّ أزرها وتقدم حوافز جديدة ضد السلطة السياسية, ولربما يمكن الجدل، بأن القيم الدينية هي من أقوى عوامل انحلال الروابط القبلية وغيرها، وهذا صحيح ويصدق في المجمل على المذاهب الإسلامية, لكن المذهب الرسمي لنظام آل سعود، وبسبب طبيعته التكفيرية المتشددة، فإن نشأته واستمراره قائمين على عدم الاسترخاء مطلقاً في مواجهة الخصوم أين وأنّى كانوا، كما أن القائمين عليه في المجمل لا يبحثون عن قواسم مشتركة بقدر ما يبحثون عن تأكيد الخصوصية المختلفة المُكفّرة والمُخرجة للملّة للمختلف, وبهذا تم استخدامه ضد الآخر الداخلي والخارجي ضمن الإطار الإسلامي العام، كما ضد السلطات القائمة، وأيضاً ضد غير المسلم بشكل مُجمل.
وهذه النزعة الحادّة في الفكر والعقائد والممارسات، قد يخفف من غلوائها شيء من الرخاء الاقتصادي، وبطش سلطان الدولة، لكن لا يعوّل عليه كثيراً في تخفيف نزعة الانتماءات الأخرى، خاصة وأن المذهب نفسه نشأ عصبوياً مناطقياً وفي بيئة قبلية، لا تزال تتفاخر إلى اليوم بانتماءاتها وأمجادها، وتميّز بين أفرادها (قبيلي مقابل حضري مثلاً) حتى بين المشايخ أنفسهم, ولربما أفادت أحداث السنوات الماضية في توضيح حقيقة أن النزعة القبلية قد تتخفّى وراء النزعة الدينية وليس العكس، ولربما كان أقسى أنواع التطرف هو ذاك الذي امتزجت في حامله نزعتا القبيلة والمذهب معاً.
ومن هنا قد لا يكون مأموناً التأكيد على الولاء السياسي للأسرة الحاكمة عبر البوابة الدينية، فتخطّي عقبة الولاءات القبلية قد تنقلب حادّة في حال كان حاملو الرسالة الدينية غير أكفاء، وإذا ما كانت الممارسات الخاطئة صاعقة البطلان وغير قابلة للتغطية بمشروعية دينية أو وطنيّة.
رابعاً ـ
استخدام أدوات التحديث في تعزيز الهوية القبلية، والهويات الفرعية عموماً، وكذلك في مقاومة التشظّي المكاني لأفراد القبيلة.
إن أفراد القبيلة، وبالنظر إلى المصالح الاقتصادية الخاصة بهم، توزّعوا مكانياً حسب موقع العمل، وحسب نوعيّته أيضاً.. هذا التشظّي الظاهري، لا يعني بالضرورة فقدان عوامل اللحمة والارتباط, فكثير من العناصر القبلية المتشابهة تلتقي وتشكّل روابط في المدن والأماكن التي تتواجد فيها لتفعل العلاقات القبلية والعائلية, كما أن عوامل التحديث والاتصال ساهمت في تسهيل التواصل والتفاعل بين أفراد القبيلة وتعزيزها بدلاً من إعاقتها, والأهم من كل هذا، فإن الروح القبلية في شبه جزيرة العرب ـ حسبما يظهر ـ قد أُعيد إنتاجها على قاعدة المصالح الاقتصادية، خاصة مع تردّي الوضع الاقتصادي للأفراد والجماعات, بمعنى أن شبكة العلاقات القبلية والعائلية وحتى المناطقية والمحلية يجري استثمارها لمجابهة المشاكل المتفاقمة.
وبمعنى آخر، فإنه بالرغم من عوامل التحديث التي يعتقد أنها قد أدّت إلى إضعاف بنية القبيلة، فإنه أمكن استثمار بعض منتجات التحديث، لإعادة تشكيل الانتماءات القبلية، وتعزيز الهوية الفرعية للأفراد, فالتواصل عبر الهاتف والإنترنت والمواصلات العامة، واستخدام الطباعة والنشر وغيرها، قدّمت فرصاً كبيرة لإحياء تراث القبيلة وعناصر وجودها للأجيال الجديدة التي لولا ذلك، ما حفظت ذاكرتها التاريخ والتراث الجمعيين, وبذا يمكن القول بأن القبيلة التي شهد الباحثون والمؤرخون ما يعتقد أنه مذبحها بقيام الدولة القطرية، استطاعت أن تكيّف نفسها قيمياً عبر "نظام المصالح" المتولّد من تراجع اعتماد القبائل على اقتصاد الدولة، كما استطاعت أن تحفظ بقدر ما هيكلها وبعض أعرافها وقيمها عبر وسائل التحديث إلى الحد الذي أمكن لها ليس فقط الحفاظ على هوية أفرادها، بل تدعيمها والقفز بها بقدر لا بأس به من القوة والعنفوان.
أضف إلى ذلك، أدّت عملية التحديث غير المتوازنة إلى خلخلة في القيم القديمة، كما أدّت في بعض الأحيان إلى ردّ فعل معاكسة، وهو التشبّث بالتراث القبلي والديني, ويصف أحد الباحثين قبيلة الدواسر في جنوب شبه جزيرة العرب (وادي الدواسر) وتأثير التحديث عليها بأنه "بعدما بقي الوادي مغلقاً بإحكام على امتداد قرون بقرار من سكانه، اجتاحه فجأة سيل من الغرباء, ولكن لم يعني هذا أن الحقد الدفين على العالم الخارجي سيخلي الطريق لنظرة أوسع أفقاً, بل على العكس فتحت مشاهد الشوارع الشبيهة بعمران بابل بقية الروح القبلية حية بعناد وشراسة".
من جهة ثانية، أدّى التحديث غير المتوازن وسياسات آل سعود الإجرامية إلى سريان الفساد الاجتماعي في قطاعات من البدو على حاشية المدن الكبرى أو في أحيائها حتى أصبحوا مصدر إقلاق للأمن, فإذا كانت الثارات والنزاعات بين القبائل تركة معروفة من الماضي، تستطيع السلطات أن تبقيها في نطاق السيطرة حتى الآن.. فإن "الفساد الجديد" الذي ساهم فيه حتى أفراد من عائلة آل سعود ينذر بخطر أكبر بكثير وهو ما يتمثل في ظاهرة التحلل الاجتماعي:
عمليات سطو مسلح يقوم بها بدو مهمّشون, وتعاطي المخدرات على نطاق متسع, وليس من المصادفة أن حي النسيم على وجه التحديد، والذي يشمل مساحة واسعة من الرياض توطّن فيه بدو سابقون من سائر أنحاء البلاد، أصبح يعرف مؤخراً بأنه (شيكاغو الرياض)..".
|