|
عوامل انبعاث دور القبيلة
هناك خمسة أسباب يمكن الإشارة إليها كأسباب لانبعاث دور القبيلة مجدداً في شبه جزيرة العرب وهي :
أولاً ـ
الافتقار إلى مشروع لتنمية الثقافة والانتماء الوطنيين, وتعود جذور هذا الأمر إلى طبيعة نشأة النظام الذي كان قائمًا على التوسع العسكري، وطبيعة المجتمع في شبه جزيرة العرب شديد التنوّع ثقافيا, وطائفيا,ً ومناطقياً، إضافة إلى مشكلة النظرة البدائية لموضوع الحكم والسلطة، باعتبارها امتيازاً فريداً ومغلقاً بالمنتصرين، كل هذا جعل النظرة إلى موضوع الوطنية بوصفه خطراً قد يفضي إلى إفراز قيادة على أسس مختلفة، والى تعزيز وحدات داخلية قادرة على إضعاف من يمسك بالقرار السياسي.
إن مواجهة الروح القبلية كان يتطلّب تأسيس مشروع وطني أوسع، وهذا المشروع لا شك له كلفة عالية من وجهة نظر السلطة الجديدة, فهو يعني إقحام مجاميع السكان في العملية السياسية المحلية، مستنداً إلى ثقافة تعطي الأفراد والجماعات حقوقاً سياسية تقلّص من سيطرة السلطة المطلقة, وهذا أمرٌ لم يكن مرغوباً فيه من قبل آل سعود .
إن غياب المشروع الوطني حتى في حدوده الدنيا، ترك فراغاً كبيراً ملأته الثقافات والانتماءات الفرعية غير الوطنية (وبينها القبلية) وتربعت على عرشه لمدّة طويلة دون مزاحم حقيقي, ومن أجل تحجيم الخطر الماثل من القبيلة والانتماءات القبلية، اتبعت دول الشرق الأوسط عموماً وآل سعود خصوصًا منهجاً موحداً لمكافحتها، وكثير من تلك الدول ذهب لأبعد من ذلك، وهو تقويض الانتماء القبلي من أساسه وليس هيكل القبيلة الظاهري ونزع أظفارها وأنيابها العسكرية وتمثيلها السياسي لشريحة من الناس.
وفي نظام آل سعود، لم يكن الهدف أكثر من تحجيم خطر القبيلة على الصعيد الأمني، ولذلك هندست سياسات وبرامج اجتماعية ينحصر هدفها في هذا الإطار, بمعنى آخر، فإن نظام آل سعود ـ وربما في أماكن أخرى من الشرق الأوسط ـ لم يتعمد إلغاء الانتماء القبلي والثقافة القبلية (وربما الأصح أنه لم يكن قادرًا على إلغائه أيضاً) بل أراد البناء على هذا الكيان الاجتماعي وتوظيفه لمصلحته، وقد نجح في ذلك بالفعل، ولكنه لم ينفي الخطر.
إن التجربة الوهابية في مراحل نظام آل سعود الثلاث، ورغم التأكيد على الانتماء الديني، فإنها لم تلغ القبلية بل بَنَت عليها قواعدها، وشذّبت بعض تصرفات القبليين، دون الحرص على إيجاد ثقافة وطنية أوسع تذوب في بوتقتها الثقافات والانتماءات الفرعية, إن هذا الاستثمار للقبيلة بعد تحييد خطرها، أو جعلها سلبية غير قادرة على النهوض بمشروع يشكل خطراً على النظام ، إنما هو استثمار مؤقت يرتهن بقاؤه بعاملين أساسيين هما:
المال, والقوة, ولذا استعمل نظام آل سعود سياسة العصا والجزرة مع القبائل عامة، فالمال مُهدّئ بلا شك، وقد سُكب الكثير منه عبر العطايا المباشرة والتوظيف في أجهزة الأمن والعسكر، كما أن الحكومة تبدي دائماً مظاهر القوة، وتستخدمها إن تطلّب الأمر، مما يجعل القبائل غير ميّالة إلى الانشقاق وتهديد الأمن, سواء توجّه التهديد مباشرة إلى أجهزة الدولة, أو إلى قبائل أخرى تتنافس معها أو لا تزال الثارات القبلية موجودة بينها.
يضاف إلى ذلك أن حكومة آل سعود اعتمدت إناطة الإدارة المحلية كرؤساء البلديات والمحافظين ورؤساء المراكز في المناطق التي تسكنها قبائل، أناطتها بأشخاص من خارج القبيلة غرباء لا يدينون بالولاء إلاّ للسلطة المركزية، خاصة بين قبائل تعتبر معادية تاريخياً (شمّر مثلاً) وقد لوحظ أن "جميع زعماء القبائل في شبه جزيرة العرب لا يتكلمون على ممثل الحكومة إلا بنبرة استهجان في صوتهم" بل أصبحوا موضع احتقارهم ـ وإن لم يعلنوه ـ ويسعى أفراد القبيلة دائماً إلى "تهميش دور ممثل الحكومة قدر الإمكان" من خلال تقوية دور شيوخهم بالرجوع إليهم لفضّ المنازعات, إن إمارة الزعماء القبليين هي الأكثر إثارة للجدل، فهناك الجميع ضد الجميع, والى حد ما ضد الحكومة، حيث أعصاب النظام تكون مشدودة إلى أقصى حدود التوتّر.
ثانياً ـ
تصاعد الأزمة الاقتصادية وفشل الاحتواء الذي اعتمد سياسات مؤقتة قائمة بدرجة أساسية على توفير الرفاه الاقتصادي, فقد أصبحت قدرة النظام اليوم بسبب الضائقة الاقتصادية المستمرة منذ منتصف الثمانينيات، وتكاليف حروب الخليج المختلفة التي دفع ثمنها آل سعود بالكامل, أصبحت قدرة النظام بسبب ذلك محدودة للغاية سواء في استرضاء القبائل مالياً، أو في استيعاب تطلعاتها السياسية, ذلك أن واحداً من أهم التطورات التي شهدتها القبيلة في شبه جزيرة العرب ، هو وجود عدد غير قليل من المتعلمين وحملة الشهادات العليا بين رجال القبائل، وهؤلاء بعكس ما يتصوّر من أنهم تركوا روابطهم القديمة، يقومون بتعزيز تلك الروابط وتفعيلها سياسياً، بعد أن أصبح استيعاب تطلعات هذه الفئة سواء في الجهاز البيروقراطي أو السياسي غير ممكن في الوضع الحالي, وهذا الأمر أضاف أسناناً جديدة، بل أنياباً قاطعة للقبيلة، فالنُخب القبلية رغم مظهرها الحديث، تستند إلى ثقافة قبلية عميقة، وتحاول البحث لها عن دور في السياسة الوطنية، وحين لم تجد لها منفذاً، عادت إلى قواعدها القديمة تشدّ من أزر لحمتها، وتعيد نشر تراثها داخل شبه جزيرة العرب في كتب ودراسات،ومواقع خاصة على الانترنيت إلى أن تسنح فرصة واضحة للعب دورها عبر البوابة القبليّة.
|