|
انهيار النظام القيمي لدى القبيلة
يدور الجدل السياسي حالياً حول مدى تأثير عمليّة التحديث التي خاضها نظام آل سعود منذ الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن في إحداث تغيير جوهري في المفاهيم والأعراف والولاءات القبلية, ذلك أن نجاحاً دائماً للدولة القطرية لا يمكن أن يتمّ دون إحداث نقلة في التفكير والمعايير القيمية للمجتمع القبلي, فانهيار سلطة القبيلة سياسياً وعسكريا واقتصادياً إنما هو وسيلة لتحقيق تلك الغاية والتي ينشد منها إلغاء العصبيات والانتماءات القبليّة وغيرها، وتوحيد المجتمع على قاعدة الانتماء الوطني والثقافة الوطنية، وهما أمران ضروريان لبقاء كيان الدولة, ولذا فإن مقاييس النجاح بنظر البعض تتمحور حول هذا الجزء من التغيير الثقافي والذهني، وبدونه تأخذ عملية "إخضاع القبائل" صفة مؤقتة غير مدمجة، فإذا ما حدثت أزمة سياسية غير متوقعة، فإن حالة الإخضاع السلبي تنتفي، ويعود تفعيل الروابط والولاءات القبلية في العمل السياسي غير الوطني، بشكل تصبح معه القبيلة حزباً سياسياً له أركانه الثقافية والقيادية إضافة إلى مصالحه الخاصة به.
ومما لا شك فيه، أن نظام القبيلة القيمي قد تغيّر بفعل عوامل التحديث الاقتصادي, فالتعليم والإعلام والخدمات الاجتماعية والمواصلات وشيوع أجهزة الاتصال، سببت انقطاعاً لم تدرك أبعاده كاملة بشأن الولاء السياسي القبلي والتميّز اللغوي والثقافي للقبيلة، بل ربما أدّى إلى ما هو أبعد من ذلك وهو نسيان تاريخ القبيلة ورموزها وتراثها السياسي، خاصة بين تلك القبائل التي تمتعت في الماضي بمثل هذا التراث (بنو خالد، وشمّر، وغيرهما).
ولم يعد شيخ القبيلة يحظى بالاحترام الذي كان يتمتع به بين أفرادها، ولم يعد يلعب أيضاً دوراً مهماً لخدمة أبناء القبيلة أو يتحمل مسؤوليات ذات أهمية بشأنها، سواء في حل الخصومات أو إعلان الحرب أو توزيع الغنائم أو حبس المجرمين الخ.
باختصار أصبح دوره احتفالياً، لكنه قابل لأن يتفعّل إذا ما أُتاحت الظروف السياسية والاقتصادية ذلك.
ورغم أن الولاء السياسي هو ما تطلبه القبيلة من عناصرها، أصبح الولاء في مجمله عاطفياً معتمداً على الروابط الاجتماعية والعائلية وعلى القدر الباقي من التراث التاريخي والثقافي للقبيلة نفسها, وهذا الولاء قد يُسيّس أيضاً كما التراث الثقافي ضمن الشروط الموضوعية للوضع السياسي العام للنظام .
لقد تعثّرت جهود السلطة فيما يبدو، في تأسيس نظام قيمي موازٍ قادر على صهر الانتماءات الفرعية، سواء كانت قبلية أو مناطقية أو مذهبية لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بغياب مشروع وطني ثقافي وسياسي، وبعضها يعود إلى طبيعة القبيلة نفسها التي قاومت معاميل الصهر, ولذا يعتقد أحد الباحثين بأنه "رغم الانحلال الهيكلي للقبيلة كتنظيم اجتماعي غير محدّث، فإن الانتماء والتضامن القبليين لا يزالا مظهرين بارزين في مجتمعات الشرق الأوسط بشكل عام وشبه جزيرة العرب بشكل خاص رغم جهود النظام لمنع ذلك ".
ما أردتُ التأكيد عليه هنا بالتحديد، هو أن القبيلة في شبه جزيرة العرب بشكل خاص، وإن فقدت سلطانها ومكانتها، فإنها احتفظت بقدر غير قليل من عوامل بقائها، وأهم تلك العوامل بقاء نظامها القيمي ومعاييرها الثقافية، والتي يمكن البناء عليها في تأسيس دور جديد للقبيلة يمكن أن يفعّل سياسياً في مراحل لاحقة, وبه يمكن الاعتماد عليه في خلخلة نظام آل سعود وإسقاطه .
لقد شتّت آل سعود كافة قبائل شبه جزيرة العرب وصهر الكثير منها في أتون مرجله , ولكن الصحيح أيضا أن الكثير من تلك القبائل لازالت على أصالتها القديمة , وهي قادرة على الفعل في الوقت المناسب لإعادة تأكيد دورها السابق , بل وإعادة الأمور إلى سابق عهدها كما كانت قبل أن تنكب شبه جزيرة العرب بوجود شراذم آل سعود .
|