|
موضوع هذه الحلقة من هذه الدراسة هو انهيار النظام الاقتصادي للقبائل العربية في شبه جزيرة العرب بعد استحواذ ـ آل سعود ـ على تلك المنطقة وتزوير أسمائها التاريخية المعروفة لتستبدل باسم عائلتهم فقط , وقد رأينا في الحلقات كيف تنكر ـ آل سعود ـ لجيش ما يسمّى بـ ( الإخوان ) وهم الذين ساعدوهم لفرض سيطرتهم على شبه جزيرة العرب , من خلال عمليات الرعب والهلع التي أشاعوها وعمليات التقتيل الجماعية التي اقترفوها بحق سكانها ,ثم كيف انتهى حلف الطرفين بالتقاتل فيما بينهما وانتهائه بالقضاء على ذلك الجيش بشكل شبه كامل وسيطرة ـ آل سعود ـ النهائية على المنطقة .
انهيار النظام الاقتصادي للقبيلة
قاد الانهيار السياسي لسلطان القبيلة ودورها في المملكة بعيد نكسة الإخوان إلى انهيارات متتالية على صُعُدٍ مختلفة.
فالقبائل التي أقبلت على الهجر وتخلّت عن حياة الترحّل، معتمدة بالدرجة الأولى على مكاسب الغزو (الجهاد) بدأت بالتخلّي عن مستوطانتها (بعضها على الأقل) وبدأت بالعودة ثانية إلى حياة الترحّل, ربما كان ذلك ردّة فعل سياسي على الهزيمة العسكرية القاسية، رغم أن التعاليم الدينية تحرّم "التعرّب بعد الهجرة" وتعتبره كفراً.
أيضاً فإن بعض فروع القبائل رأت الهجرة إلى خارج سلطة ابن سعود نفسه، شمّر هاجرت إلى العراق وبعض أفرع العجمان أرادوا أن يكونوا تحت سلطة الكويت.
والهجر اليوم فقدت دالّتها الدينية التي أعطاها إياها الإخوان، وأصبحت مجرد تجمع عشائري تبنى فيه بيوت متقاربة للعشيرة المستقرة، دون الحاجة إلى الترحال وراء الإبل، فهناك من يقوم برعيها من العمال الوافدين، كما أن ( سيارات المرسيدس) أصبحت تأتي بالماء والعلف إلى عمق الصحراء.
ورغم توقّف مشروع الهجر التوطيني القائم على أسس عقدية، وكذلك انهيار نظام الاعتماد على الحروب العسكرية كمصدر للعيش، فإن عدداً من القبائل في المملكة، وفي بلدان عربية أخرى، اضطرّت إلى الاستيطان بالقرب من المناطق الحضريّة، وممارسة دور (الشاوي/ راعي الماشية) بدل البداوة الأصيلة (رعي الإبل) في القفار، رغم ما يحمل في طياته من (ضعة) حسب الأعراف القبلية, والسبب يعود بالدرجة الأساسية إلى الجفاف الذي ضرب الجزيرة العربية مرات عديدة في العقود الماضية، خاصة بين عامي 1958 و 1965 والذي أدى إلى هجرة كبيرة لقبائل البادية لم يجري استثمارها وتعزيزها فما لبث أن قامت هجرة معاكسة بمجرد أن انتهت أزمة الجفاف.
لم تكن هناك أراضٍ زراعية تلزم القبائل بالاستمرار في الاستقرار، ولم تكن السلطة المركزية قبيل عصر النفط قادرة على توفير الحدود الدنيا للمعيشة للسكان البدو ورجال القبائل عموماً، وهو أمرٌ لم تشهده قبائل مستوطنة في بلدان عربية أخرى.
ففي العراق على سبيل المثال، وفي حركة سياسية بارعة منها، قامت السلطات البريطانية المنتدبة على ذلك القطر، بسنّ نظام للأراضي الزراعية، أعطت بموجبه مساحات شاسعة لشيوخ القبائل ضمن حدود (ديرتها) فأصبح شيوخ القبائل رجال إقطاع، أغنياء بممتلكاتهم الجديدة، وتحوّلوا في الجملة من عنصر مهدد للنظام السياسي الوليد هناك إلى داعم له، بل أصبح عدد من أولئك الشيوخ إلى (أفندية) يقيمون في العاصمة معتمدين على الدخل المتأتي لهم من الأراضي، وبذلك وقعت شروخ حادة في هيكل القبيلة وثقافتها، ونشأت حزازات بين قيادتها وأفرادها العاديين، رغم أن الشيوخ امتلكوا قوة مالية قادرة على إرضاء أفراد القبيلة، كما امتلكوا كلمة في السياسة الوطنية وظّفت في بعض الأحيان لخدمة القبيلة.
ترافق مع ترسيم الحدود بين نظام آل سعود وجيرانه، محاصرة لهجرات البدو الطبيعية، وإن لم يكن بشكل كامل، فقد استمرت هذه الهجرات مخترقة الحدود السياسية للعراق وسورية وحتى تركيا وإيران إلى الثمانينات الميلادية.. ترافق مع ذلك مع بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بشكل خاص، مما أدّى الى القضاء على عزلة البدو إلى حد كبير، والى ازدياد البون بين قدرات القبيلة في مواجهة قدرات الدولة التي أصبحت معزّزة بالطائرات والأسلحة الجديدة الفتاكة.
وحتى قبل مجيء النفط، كما هو الحال في عدد من البلدان العربية، أصبح جهاز الدولة أكثر قدرة على تقديم تعويضات للقبائل، عبر الأراضي الزراعية كما كان في العراق، أو عبر الهبات المالية التي كان الجهاز الضريبي يتحصّل عليها، وبذلك كانت هناك إمكانية لتقديم الخدمات الاجتماعية للقبائل وجذبها إلى الاستقرار، وشراء رؤوسها، واستخدامها كوسيط بينها وبين أفراد القبيلة من أجل ضبطهم أمنياً, أضف إلى ذلك صار بإمكان الدولة توفير فرص عمل بديلة وبالخصوص في المجال العسكري حيث أُلحق ما تبقى من الإخوان بـ (الجيش الأبيض) الذي سمي فيما بعد بـ (الحرس الوطني)، بحيث يتلقى رجال القبائل رواتب منتظمة في وظيفة تتناسب مع شخصياتهم وذهنياتهم.
ومع تصاعد المداخيل النفطية، وانهيار النظام الاقتصادي القبلي القائم على ما يشبه الاكتفاء الذاتي، أصبحت القبائل ورجالها مرتبطين بشكل مباشر بالدولة وأكثر اعتماداً على مواردها, وهكذا تمّ إنضاب سلطة القبيلة سياسياً، وتدمير اقتصادها الرعوي، فأضحت القبيلة، إضافة إلى ما مثلته الانتكاسة العسكرية منذ تدمير الإخوان، مهيضة الجناح، سلبيّة مطواعة بيد السلطات السياسية التابعة لآل سعود .
|