|
في العادة تنشأ السلطة المركزية أو أنويتها في مركز حضري ثم تتوسع تلك السلطة وتتعزز بخلق الأجهزة الأمنية والعسكرية وتمدّ سلطانها إلى خارج المراكز الحضرية لتصل إلى القبائل في الصحراء فتتصارع معهم وتخضعهم وتجذبهم إليها.
أما في شبه جزيرة العرب ، فإن الذي حدث كان شيئاً معاكساً تقريباً, فقد نشأت سلطة ـ آل سعود ـ بحد السيف والقتل والإرهاب في مركز شديد التصدع سياسياً، ولم يكن كثيف السكان، ولا يحمل أهمية استراتيجية من نوع ما, وكانت المشكلة التي واجهت المركز الذي أقامته تلك الأسرة في (الرياض ـ نجد) هي الامتداد وإخضاع المراكز المتمدّنة الأكثر أهمية في الشرق والغرب من خلال عمليات عسكرية سفكت فيها دماء عشرات الآلاف من البشر لتشمل في النهاية (الأحساء والقطيف والحجاز) بشكل خاص، عبر التوسع والاحتلال العسكري.
ولهذا السبب، عمل ـ آل سعود ـ منذ البداية على إيجاد قوّة عسكرية يمكنها أن تقضي على دولة الحجاز، وعلى إمارة الشرق التي كان يسيطر عليها العثمانيون، ومن هنا جاءت الفكرة الجهنمية التي استند إليها ـ آل سعود ـ بهدف استغلال ثنائية ـ الدين ـ وـ القبيلة ـ لتكوين جيش بدوي قادر على اكتساح القوى المحلية الصغيرة في نجد , والحجاز , ومجابهة الجيوش المنظمة في الشرق والغرب, ومن هنا كان وجود ذلك الجيش الذي عرف فيما بعد باسم ـ الإخوان ـ والذي تمكن من اكتساح شبه جزيرة العرب بالقوة وحد السيف ليقيم على أنقاض شعوبها ودولها السابقة وبواسطة بحار من الدماء ما يعرف اليوم باسم ـ السعودية ـ .
وكان ـ آل سعود ـ الذين كان يخطط لهم البريطانيون من خلف الستار يعرفون كيفية الاستحواذ على أقاليم شبه جزيرة العرب وشعوبها , كما كانوا يعرفون أنه لا يمكن إخضاع القبائل بالقوة وحدها، وإنّما يجب استخدام سلطة الدين، وهي أيضًا نصيحة بريطانية قدمها العميل الإنجليزي ـ فيلبي ـ وهي هنا كانت "الوهابية" المزعومة هي الغطاء والوعاء الأيديولوجي للتوسّع والسيطرة .
كان الإنجليز يعرفون أنه لا بد من وجود عقيدة تسمو فوق القبلية، وإن مؤقتاً، تستهدف من الناحية السياسية التوسع، ومن الناحية الدينية نشر ما تم الادعاء بأنه "العقيدة الصحيحة" أي "الوهابية", بحيث تعطي للقبلي البدوي في تلك الفترة هدفاً أبعد من أرنبة أنفه.. وتعطي للقتال ضد بقية القبائل العربية في شبه جزيرة العرب واستخدام السيف ضدها معنى أفضل وهدفاً أسمى، وغاية أكثر نبلاً في نظر معتنقي ذلك المذهب الظلالي المُفسد ، وقد قبل البدو "الفكرة الوهابية"، بعضهم اقتناعاً، وبعضهم رغماً عنه (قبيلة العجمان مثلا) تحت طائلة التهديد بالقتل، وبعضهم طمعاً في المغنم الاقتصادي, لكن القوى السياسية التي أدارت معركة تشكيل البنيان العسكري للقبائل ضمن سلك ما يسمّى بالإخوان وهم أساسا من ـ آل سعود ـ لم تكن تستهدف تحقيق الغاية الدينية بالمعنى ألحصري، بل كان الحافز السياسي وحافز الاستحواذ والسيطرة بالبطش والإرهاب هو الذي كان يلعب الدور الفاعل في توجيه المعركة لتحقيق أغراض تلك الأسرة المجرمة .
ولكي تكون " العقيدة الوهابية "المبتدعة مرتكزاً أساسياً بحيث تعطي أكلها، اتفق ـ آل سعود ـ وحليفهم ـ محمد بن عبد الوهاب ـ على ضرورة أن تعطى تفسيرات حادّة متطرّفة جامحة لتنفيذها , وإلاّ فقدت قدرتها على الحشد والدفع والقمع , وقد كانت البدعة " الوهابية " مهيأةً لأن تلعب هذا الدور نظراً للبيئة الاجتماعية والجغرافية التي نشأت فيها والظروف السياسية والتاريخية والفكرية المريبة التي أحاطت بمناطق ظهورها خاصة في تلك المناطق التي كان الإنجليز يعملون جاهدين على تهيئتها لتنفيذ مراحل تآمرية خطيرة أخرى تستهدف العرب جميعا في المستقبل ,وتستهدف من ناحية أخرى غرس الكيان الصهيوني في قلب وطنهم الكبير, ولهذا كان لا بد للفكر المفسد"الحاضن" أن يبطن عقيدة التوسع في صورتها الحادّة، وأن يحقن أتباعه بالمشاعر الدينية المتحفزة لتحقيق الغايات السياسية الكبرى المقبلة , ومن هنا تحوّل غزو القبائل الرافضة لذلك الفكر المنحرف ومن يقوم عليه من أتباع ـ آل سعود ـ إلى (جهاد ديني ) ضد الآخر الخارجي الكافر والمُشرك والذي يستحل دمه وماله وعرضه وخاصة في المراكز المدنية الأخرى.. كما أعيد تسمية النهب والسلب دينياً ، بحيث أصبحت جميعها (غنائم) ، وكان "الإمام" يتقاضى خُمسها.
وهكذا تمكّنت هذه الروح الشيطانية الناشئة من مزيج من القيم الدينية المزعومة, والقبليّة, والمتزاوجة مع وجود قيادة سياسية مجرمة واعية لغاياتها، تمكّنت من أن تنهي ثلاث كيانات سياسية كبيرة في شبه جزيرة العرب خلال سنوات قلائل: حائل في عام 1921، وعسير في العام التالي، والحجاز بين عامي 1924-1926م, ويجب التذكّير هنا بالاتفاق الذي تم بين ـ محمد بن سعود ـ وـ محمد بن عبد الوهاب ـ قبل نحو قرنين من الزمان، والذي يُفهم منه وعي الطرفين لما يمكن أن يحققه هذا النوع من التزاوج.
وما يجب التأكيد عليه هنا هو حقيقة أن القبيلة في شبه جزيرة العرب كانت أحد ثلاثة أطراف وقع عليها عبء تشكيل الدولة التي استحوذ عليها ـ آل سعود ـ وأطلقوا عليها اسمهم :
رجال ما يسمّى بـ "المذهب الوهابي"، وعائلة ـ آل سعود ـ ، والقبائل النجدية بشكل أساسي .
فالطرف الأول وفّر الغطاء الديني المنفّذ بالقوة لحشد التأييد والإطار الأيديولوجي للتوسّع، أما الطرف الثاني فقد مثل القيادة السياسية التي لم يكن يهمها سوى تنفيذ أهدافها بأية طريقة كانت ، في حين أن الطرف الثالث شكّل وقود الحرب، والجيش الذي اقتحم الكيانات الأخرى الأكثر نضجاً في شبه جزيرة العرب فاقتلعها من الجذور.
|