|
ـ عودة الروح للقبيلة ـ
بدأت قبائل شبه جزيرة العرب عبر مواقع عديدة على شبكة المعلومات الدولية "الانترنيت" بشكل خاص في الالتفات إلى تسجيل تراثها ونشره, كما بدأت برموزها فكتبت عنهم، وبعاداتها وتقاليدها، بل وتاريخها السياسي (الخوالد مثلاً) كما سرّبت الكثير من ثقافتها عبر الشعر النبطي فأحيته، ونشرت ما أمكنها نشره، واحتفظت بالباقي (الذي يسبب مشاكل مباشرة مع السلطات السياسية) إلى وقت آخر قد يحين في وقت قريب، أو أنها طبعته خارج البلاد (في الكويت مثلاً حيث تنتشر كتب عن أكثر القبائل في شبه جزيرة العرب), وفي الوقت الحالي تزخر سوق الكتاب بكمّ هائل من هذا النوع من الكتب الجهوية القبلية، حتى أن المرء يستطيع أن يجادل بأن ما يكتب عن الهويات الفرعية (مناطقية وقبلية) أكثر بكثير مما يكتب عن نظام آل سعود كدولة وكنظام سياسي.
إن هذا النشر المكثّف للتراث القبلي، شعراً ونثراً وتاريخاً ورجالاً، لهو خير دليل على صحوة قبائل شبه جزيرة العرب, كما أنه مؤشر على بداية تمزّق جديد، لا تستطيع معه السلطات مكافحته بالمنع وسلطات الرقابة في وقت وفرّت فيه التكنولوجيا كل وسائل القفز فوق الحدود والأسوار, وهو دليل آخر على عمق أزمة الهوية الوطنية في شبه جزيرة العرب، بل على غيابها المأساوي، وعلى نقص في الثقافة الوطنية لم تحلّه كبسولات الأسبرين المتأخرة التي جاءت في منهج نظام آل سعود (التربية الوطنية) قبل بضع سنوات.
ولا شك أن النزعة باتجاه إحياء التراث القبلي، يستهدف إحياء التلاحم الداخلي بين أفراد القبيلة، وحلّ مشاكلها الآنية التي عجزت السلطات عن حلها في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي، كما ويستهدف تسييس الثقافة القبلية في وقت يُحظر فيه النظام النشاط السياسي الوطني العام، وفي وقت يحتكر فيه بضعة أفراد من آل سعود القرار السياسي لعشرين مليون مواطن.
ولعلّ طغيان الشعر الشعبي هذه الأيام، رغم تجريده من أسنانه السياسية، أي حظر تداول (الرزف) أي شعر الحرب القديم منه والحديث، يعكس مدى التوجّه نحو التراث القبلي بشكل عام, إن الشعر الشعبي القبلي القديم لا يتكون من مجرد أبيات جذابة قليلة، "فهذا الأدب سجل لتاريخ الجزيرة العربية قبل أن يستأثر آل سعود بالسلطة, وللحفاظ على استمرار هيمنتها تفضّل القوّة السائدة عدم نبش التاريخ", إن التراث الشعري للقبائل واهتمامها بالقصائد المتوارثة والتي تحفظ فيها حيّة ذكريات ماضيها البطولي المشرّف يلامس وتراً عصبوياً حساساً.
كما أن الشعر الشعبي هو أداة تثقيف سياسي إلى جانب كونه عنصراً مهماً من عناصر الثقافة الخاصة, ولهذا لجأ آل سعود إلى منع هذا النوع من الشعر (الرزف على وجه التحديد)، لأنه "الوقود السرّي الذي يُبقي نار المرجل القبلي مشتعلة".
وقد سأل أحد الباحثين الغربيين شمرياً:
لماذا يُفسح النظام المجال لنشر شعر قبيلة عنزة (عدو شمر اللدود) ولا ينشر شعر شمّر؟ فكان الجواب "لأن شعر شمر يدور في الغالب حول الحروب مع القبائل الأخرى" ولكن الباحث لم يقتنع فعلق بالقول:
"ولكن لدى عنزة من أغاني الحرب ما لا يقل عن أغاني الحرب عند شمر, وقال إن السبب الحقيقي هو، بلا ريب، أن آل رشيد، الذين كانوا في السابق أخطر منافسي آل سعود، هم من شمر, وعنزة من الجهة الأخرى كانت الحليف التقليدي لآل سعود.. إن ذكر اسم آل رشيد مازال من المحرّمات في حائل بأمر آل سعود بعد مرور ستين عاماً على قهر المدينة".
وخلص الباحث الغربي إلى القول "إن النظام يريد الوئام، والهدوء، لاستمرار سيطرته, وهو يعرف أن هناك تحت السطح غلياناً من التعصّب الدّيني والعصبيّة القبلية ومشاعر مريرة لا تجد لها متنفساً في الحاضر المحروس بعيون ساهرة".. أما طريقة النظام في تفادي المشاكل فهي السماح (لمن تأمنهم) بنشر بعض التراث القبلي الحسّاس خارج شبه جزيرة العرب وليس داخلها، ولربما حاول النظام في بعض الأحيان إثارة نزعات قبليّة لتحقيق أهداف سياسية, وفي إحدى المرات كادت أن تقع حرب قبلية بسبب كتاب, ففي عام 1981، نشر ـ محمد السديري ـ في بيروت ديواناً باسم (أبطال من الصحراء) ذكر فيه من الأبطال شيوخ عشائر شمر, وعنزة, في القرن التاسع عشر الذين اقتتلوا بضراوة مع بعضهم البعض بتحريض من آل سعود وحلفائهم، وادّعى الكاتب بأنه عثر على مخطوطة على بعد 100 كيلومتر من حائل تقول: "اللعنة على كل شمر، حتى على جنينهم في بطن أمه" وحين وصلت بعض نسخ من كتاب السديري إلى البلاد قامت قائمة قبيلة شمر لانحيازه إلى عنزة وكان هذا بمثابة صبّ الزيت على النار, وهو تخطيط مارسه النظام كثير المرات من قبل لتمرير مخططاته المشبوهة .
والهدف من هذا النزاع الشعري ليس تمزيق العدو بالكلمات إلى أن يأتي وقت الأفعال، بل الأهم هو "الحفاظ على الإحساس بالمشاعر القبلية حية.. ومع الخوف الرسمي المتصاعد من حمّى القبليّة زاد نظام آل سعود من رقابته على ما ينشر من تراث قبلي, حتى أن الرقابة اليوم أصبحت أشدّ كثيراً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة ، إذ أفلت خلال السنوات الماضية بشكل مدهش عدد من الكتب والأعمال, مثل أعمال الشاعر حميدان الشويعر الهجائية.
هذه الروح القبلية المتعاظمة النزعة لم تتمكن أدوات الحظر الإعلامي التابعة للنظام من أن تطفئها, فعلى سبيل المثال فإن تجنّب الإشارة إلى الماضي المشحون بين شمر وال سعود باعتباره من المحرّمات "من شأنه إبقاء الذكرى حية", وذوو الشأن في الرياض يدركون إن الروح القبلية القديمة سترفع رأسها برغم الحظر الرسمي طال الزمن أو قصر, ورغم كل إجراءاتهم القمعية .
ويعلّق الباحث الغربي السابق الإشارة إليه" أتساءل ما إذا كان هذا النوع من الرقابة هي مؤشّر إلى وجود تيّارات مضادّة دفينة في الوعي السياسي, فهل كان هذا الصمت اليائس نوعاً من الدليل الضمني على أن النزعة الشمرية لم تُخلي الطريق حتى الآن لهوية آل سعود المزعومة برغم كل التثقيف بها؟".
|