بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

دراسة تؤكد أن حكم آل سعود أصبح مجرد سحابة صيف ستنتهي قريبًا :
دور القبيلة في قيام وسقوط نظام آل سعود - 10 -

عبد الكريم الشمري / حائل

                                    الدور الحالي والتمظهر الذاتي للقبيلة
 حتى الآن، فإن نظرة السكان المدنيين لأولئك الذين يغلّبون الانتماءات القبلية على غيرها، بأنهم لازالوا يمثّلون مخزوناً كبيراً من القوة تستخدمه عائلة آل سعود في أجهزتها الأمنية والعسكرية، وبالتحديد في جهازي المباحث العامة والحرس الوطني لقد جرى توجيه النزعة القتالية لدى القبائل بتوظيفها في صفوف الحرس الوطني بدل استئصالها، واختزل دور غالبية شيوخ القبائل إلى دور "شهود" نيابة عن قبائلهم في الديوان الحكومي، وإن كان هناك من يحاول الخروج عن هذا الدور كشاهد على رجال قبيلته (معرّف), ورغم أن تغييرات هيكلية أُدخلت على الجهازين، إلاّ أن مفاعيل القبيلة لا تزال حاكمة فيهما، وأن النظرة إليهما خاصة من قبل المنتمين إلى جهاز الحرس الوطني، تميل إلى اعتبار الانتماء إليه، ولو من الناحية الاسمية والوظيفية مجرد مصدر دخل لا يستلزم الحضور ولا العمل الحقيقي.
 وإذا كان جهاز الحرس قد قسّم بين القبائل النجدية في أكثرها على شكل ألوية واعتمد فيه نظاماً لا يلغي التراتب القبلي في أكثر الأحيان، فإن جهاز المباحث يقوم اليوم في أكثره على عناصر قبلية من الجنوب.
 وكلا الجهازين، بنظر الكثيرين، يعملان كدرع لحماية عائلة آل سعود، سواء من القوى المدنية أو الدينية أو حتى من الجيش النظامي نفسه, لقد جرى امتصاص وربما إلغاء خطر الجهاز العسكري مجملاً (حرساً وجيشاً) من خلال اللعب على التناقضات بينهما، ومن خلال ترجيح قبيلة على أخرى، بين الفينة والأخرى, داخل الحرس بالتحديد, فالقبيلة الأثيرة في فترة من الفترات، والتي يُنظر إليها بحسد من نظرائها قد تتقلّص مكانتها في مرحلة لاحقة وتُعطى لقبيلة أخرى تنتظر دورها, وحتى التعيينات في الجيش النظامي هي في الأساس تعيينات مناطقية بالدرجة الأولى, وقبلية بالدرجة الثانية، وقد أصبح الجيش خلال العقود الثلاثة الأخيرة يتألف من قاعدة قبلية جنوبية بشكل كبير، مع إزاحة القيادة الحجازية واستبدالها بقيادة نجدية.
لكن هذا الدور الذي تلعبه القبلية، والذي تمسك بخيوط توازناته الحسّاسة عائلة آل سعود، أدّى إلى إضعاف الجهاز العسكري وشلّه بشكل مضطرد عن القيام بمهامه في الدفاع عن الحدود، وهي وظيفة يبدو أنها ليست على أجندة النظام منذ وقت طويل, فالمهم عنده، أن تلعب الأجهزة العسكرية دورها فقط في ضبط الأمن الداخلي وحماية النظام قبل كل شيء، أما إذا تعرّضت البلاد إلى خطر، فالقوات الأجنبية ـ الحليفة والصديقة موجودة, وخير مثال على ذلك حروب الخليج الأخيرة .
 إلاّ أن التغييرات الهيكلية في الجيش القبلي (الحرس الوطني) يمكن أن تُفرز مخاطر غير محسوبة في المستقبل, فتحديث الحرس بأسلحة جديدة، وابتعاث الكثيرين إلى الخارج للتعليم، وكذلك تطعيمه بخريجي الجامعات وحملة الشهادة الثانوية، قد رفع من سقف مطامح أفراده وضباطه على حد سواء, كما أن التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين, واكتشاف حقيقة آل سعود ودورهم المشبوه في المنطقة ألقت بظلال من الريبة والشك على ولائه، خاصة وأن تحولات جرت أيضًا على صعيد المؤسّسة الدينية وتمرّدها على النظام، أو على الأقل انشقاقها بين مؤيّد ومعارض، الأمر الذي شقّ أيضاً القاعدة الاجتماعية التي تحتضنها، في ظل استقطاب وزخم إعلامي وسياسي شديدين، جعلت من كل أفراد شبه جزيرة العرب ـ أياً كانت مواقعهم ـ ضمن دائرة تأثير لا فكاك منها. المراد من هذا كله هو التأكيد على أن القبيلة وإن كانت تمثل الخزّان البشري للقوى العسكرية والأمنية عموماً، وهو أمرٌ يعد أهمّ تجلّ ملموس لها.. فإن الولاء السياسي المُختلط أحياناً بالولاء القبلي لعائلة آل سعود بدأ يتآكل بين الجنود والضباط، كما بين المواطنين العاديين أيضاً.
 ونظراً للتحولات والانعطافات الاقتصادية والسياسية التي مرّت بها شبه جزيرة العرب خلال السنوات الماضية، فإن القبليّة أخذت تطرق الأبواب السياسية والاجتماعية من جديد بعنف، ويتجلّى ذلك في قضايا عديدة من بينها:
 التمظهر الأول ـ محاولة القبائل حشد أتباعها المتفرّقين بين مناطق شبه جزيرة العرب، وأحياناً جذب أولئك القاطنين خارجها, خاصة من دول الخليج، تأكيداً للولاء القبلي، ومحاولة إيجاد برامج خاصة بأبناء القبيلة لحلّ مشاكل أفرادها الاقتصادية، وتشكيل صناديق تبرعات، وتفعيل العلاقات بين الأفراد أنفسهم، واستثمار ما لديهم من مخزون علاقات اجتماعية لتوظيف العاطلين عن العمل, وقد تنبّه مجرمو آل سعود إلى مخاطر هذا الأمر، فألغو اجتماعات عديدة، واقتحمت مضارب الكثير من القبائل بقوى الأمن والشرطة, حدث هذا لقبيلة بني خالد في المنطقة الشرقية قبل نحو أربع سنوات, وحدث ذات الأمر لقبيلة تميم في المنطقة الوسطى قبل نحو عامين.
 وقد وصف أحدهم اجتماعات شمّر ـ أعدى أعداء آل سعود ـ على النحو التالي ـ:
 "بغية تعزيز التلاحم القبلي وتعميق الانتماء للقبيلة تعقد شمّر اجتماعات (سرية) يفضّل أن تكون بمنطقة الكثبان الرملية في النفوذ شمال حائل, وفي بقعة لا يستطيع أن يعثر عليها في ظلام الليل إلا البدو، حيث تقام خيمة ضخمة مصنوعة من شعر الماعز، وفي الأمسية المتفق عليها تحضر سيارات الجيب من طراز تويوتا شاقة الطريق على إطاراتها العريضة المصمّمة للرمل, ويُزيّن الموضوع الرئيس للمنتدى القبلي بالضأن المشوي وبراميل من الشاي والقهوة، ويجري إحياء ذكرى المحاربين القدماء الذين قتلهم آل سعود في بداية تكوين النظام، ويُستثار الحاضرون بأفعال الغدر وخرق أعراف الصحراء التي مارستها تلك الأسرة المجرمة ضد الناس, لتبقى ذكراها حية يتوارثها جيل بعد آخر, وتُفتح في تلك الاجتماعات الليلية جروح قديمة, ويُدعك فيها الملح بلا حساب، وتنهض ثعالب صحراوية صعبة المراس وتلقي أناشيدها في مدح قبيلتها وذمّ قبيلة "عنزة" التي يدّعي آل سعود الانتماء إليها وسط تصفيق حاد داخل الخيمة, وبعد انتهاء الأمسية يعود الوضع كما كان عليه من قبل: شمر فوق الجميع, والنظام يعرف بالطبع ما يجري ولكنه لا يستطيع أن يتحرك إلاّ إذا هدّدت الأمور بالانفجار حقاً, وحينذاك يُمنح أكثر قادة الحلقة من المغالين ذمًا لآل سعود شعراً بعضَ الوقت في زنزانة منفردة حتى تهدأ أعصابه".
ولإن نجحت الحكومة في فضّ التجمعات الظاهرة الكبرى، فإنها لم تنجح فيها كلها، ولا بالنسبة لتلك التي تجري للأفخاذ، ولم تلغ جذوة الحاجة للتعبير الدافعة لأفراد القبائل، وهي في أكثرها قبائل مستقرة. لقد رأت سلطات آل سعود في تلك الاجتماعات تحدّ سياسي بالغ لسلطانها واستهانة بقوتها، واستعراضاً لعضلات قوة كان الكثيرون يظنّون أنها قد ضَمُرَتْ منذ زمن بعيد.
والحقيقة التي يتجاهلها أولئك العملاء هي أن تلك التحديات القبلية وإن اختفت بعض الوقت بسبب البطش والإرهاب الذي مارسه آل سعود على مدى العقود الماضية فإنها تحديات تبقى تحت الرماد إلى أن تحين لحظة هبوب العاصفة عليها فيتّقد جمرها من جديد لتكون نارًا تقتلع أسس تلك الأسرة المجرمة من جذورها , وسيأتي ذلك اليوم بكل تأكيد .

(يتبع )