بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

رسالة من مواطنة من الدرجة الثالثة

مرام عبد الرحمن مكاوي / واشنطن

من اليوم فصاعداً قررتُ أن أضيف العبارة التالية إلى توقيعي"كاتبة وطالبة دراسات عليا، المملكة المتحدة - مواطنة من الدرجة اثالثة" .
ولا أعرف إن كانت الصحيفة ستوافق على هذا التوقيع، لكن هذا أصدق تعبير عن نفسي وما أحسّ به في المرحلة الحالية, خاصة وأنا أراقب ما يجري في بلدي، في وقتٍ كنت حتى الأمس القريب فقط في غاية التفاؤل بشأن تحسّن أوضاعنا كنساء, لكن بدل أن يحصل ذلك، وأن نترقّى من مواطنات من الدرجة الثانية إلى الأولى، وجدت أننا انحدرنا للثالثة!والخير قادم.
وقبل عام من الآن ودّعت الأمة الأمريكية والعالم أجمع، سيدة أمريكية عظيمة اسمها (روزا باركس)، وهذه السيدة الأمريكية ذات الأصول الإفريقية، لم تكن لا عالمة, ولا باحثة, ولا أديبة, ولا رائدة فضاء, ولم تكن شقراء, ولا ذات قدّ ميّاس، ولم تكن مالئة الدنيا وشاغلة الناس ذات يوم بسبب جمالها أو فتنتها الطاغية, بل كانت فقط امرأة لديها كرامة وإباء غيّرت بهما وجه أمريكا, وربما العالم.
روزا باركس، التي ساعد رفضها التخلّي عن مقعدها في حافلة أوتوبيس للركاب كان يفصل بين السود والبيض، في إشعال فتيل حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والتي ألغت (أو كادت) معظم القوانين العنصرية هناك, والتي كانت سائدة حتى ستينيات القرن الفائت تقريباً.
وأنا إذ أكتب من أمريكا، وأشاهد الحقوق التي يتمتع بها المواطنون والمواطنات السود (مع عدم إنكارنا وجود تمييز)، أتخيّل كيف كان سيكون الوضع قبل حركة روزا الجريئة؟ تُرى هل كنت سأضطر لأن أختار بحذر مقعدي حين أذهب لمركز التسوق؟
تذكرت حكاية روزا باركس، حين قرأت عمّا حصل في مستشفى التخصّصي في عام 2006، وشهر نوفمبر الجاري, يقول الخبر الذي نشرته صحيفة "عرب نيوز" وصحيفة "الشرق الأوسط" وأنقل عنها هذا الخبر والذي جاء في تغطية الزميلة ـ هدى الصالح ـ لمؤتمر / حكم التبرّع بأعضاء المتوفين دماغياً/، والذي عقد في الرياض مؤخراً يقول الخبر:
"أثار أحد المشاركين بمطالبته في بداية الندوة بإخراج النساء سخط الحضور النسوي، رغم إصرارهن على البقاء في ذات القاعة لتضطر اللجنة المنظمة إلى تهيئة مكان خارج القاعة للحاضرات لمتابعة سير المؤتمر من خلال شبكات البث المباشر، وهو ما دفع إحدى الحاضرات إلى أن تستشهد بوقوف امرأة أمام عمر بن الخطاب لمجادلته في أحد الشؤون الإسلامية وصفت في السيرة النبوية أنها "سفعاء الخدين" ثم اضطرت النساء آسفات إلى الخروج بعد أن تمّ طردهّن من القاعة, وقال أحد أعضاء اللجنة المنظمة، إن ما حدث اليوم من فصل للجنسين في قاعة المؤتمرات والندوات التابعة لمستشفى فيصل التخصّصي هو الأول من نوعه، مفيدًا أن نظام المستشفى المتّبع يؤكد على الجمع بين الجنسين في المؤتمرات العلمية وتوفير الخيار بالبقاء في قاعات أخرى منفصلة لمن ترغب, وأشار أن ذلك لا يكون إلا وفق ضوابط المستشفى وقوانينه التي تراعي للعاملين العمل جنبًا إلى جنب في ظل جو يسوده الاحترام المتبادل، مؤكدّا أن التغاضي عن النظام المتبع في المؤتمر الأخير لم يكن إلا للحفاظ على استمرارية الندوة وعدم إرباك البرنامج العلمي بتأخير أو تعطيل " إلا أنه سرعان ما سيعود الوضع كما كان عليه سابقا في المؤتمرات القادمة.
وأنا هنا أتساءل، وسؤالي موجّه للمنظّمين على وجه الخصوص: أيهما أكثر أهمية أن يستمر هذا المؤتمر العلمي، الذي هدفه إنساني قبل أي شيء، أم كرامة وحقوق عشرة ملايين مواطنة أو أكثر، وكرامة منسوبات المستشفى وهنّ من خيرة نساء المجتمع "علماً" على الأقل؟.
بأي حقٍ تم طرد العشرات استجابة لطلب من شخص واحدٍ لديه رأيه الشخصي في موضوع الاختلاط؟
أما كان الأولى التضحية به، بدلاً من طرد النساء؟
ثم أي رسالة وجهها المستشفى وإدارته ومنظمو المؤتمر، الذي أستطيع أن أقول إنهم أثبتوا أنهم غير جديرين بتنظيم حفلة إنشاد وليس مؤتمر من هذا النوع، لمنسوبي ومنسوبات المستشفى من مواطنين وأجانب؟ أننفق الملايين لتحسين صورة بلادنا في الخارج على شكل مؤتمرات وأيام ثقافية ومعارض وإعلانات مدفوعة، فيما نقوم بهدم كل ذلك أمام أعين الناس ذاتهم وفي قلب العاصمة؟!.
لو كنت مكان أولئك الطبيبات والباحثات - وأنا ألتمس لهنّ كل العذر وأتعاطف معهنّ - لما تركتُ مكاني, ولكنت جلستُ حتى ولو على الأرض، ومن لديه الجرأة فليأتِ ليخرجني بالقوة، ولنر إلى أي مستوى ستوصلنا إليه المغالاة, ولو اتّفقت كل منسوبات المستشفى من طبيبات وممرضات وعاملات وفنيات مختبر على التوقف عن العمل احتجاجاً على هذه الحركة المُهينة إرضاءً لرجل واحد، لعرف المستشفى بحق قيمة منسوباتها من النساء’ ولما ضحّت بهنّ مرة أخرى بحجّة "الحفاظ على استمرارية الندوة وعدم إرباك البرنامج العلمي بتأخيره أو تعطيله".
أنا شخصياً كمواطنة، وكامرأة، وكمسلمة، أشعر بالإهانة الشديدة مما حصل، وأطالب باعتذار عن هذا الموقف أللاّ إنساني، بل ولو كنت في الوطن وكانت لدي القدرة على رفع قضية على المنظّمين وعلى المستشفى لفعلت, فلقد رفع البعض قضايا على كاتبة رواية " بنات الرياض" لأسباب واهية، يقولون إنها أساءت لبنات الرياض بكلامها، حسناً وماذا عمّن أساء لهنّ فعلياً؟ أين من ثاروا وأزبدوا يومها بحجّة الدفاع عن كرامة المرأة وشرفها وغيرها من الإلكليشيهات الفارغة، هل "الطرد" و"علنا" من مؤتمر علمي، فعلٌ يتوافق مع الكرامة الإنسانية؟ وهل يحب أحدكم أن يكون في مؤتمر خارجي مثلاً فيأتي متحدث ويطالب بطرد كل الرجال؟ أو كل المسلمين؟ أو كل العرب؟ عندها سنعود لممارسة الولولة ولعب دور الضحية الذي برعنا فيه حقيقة.
إن تصرفات كهذه ما كانت لتحدث لو لم يكن المجتمع مُهيأ ومتقبّل لحصولها، وإلا لماذا لم ينصرف الحضور جميعهم احتجاجاً وتضامناً مع النساء؟ لماذا لم ينسحب بقية المتحدثين من المؤتمر ليسجلوا أيضاً موقفاً بشأن ما حصل؟.
وأنا آسفةٌ لأن أقول إنني وجدتُ في العالم الغربي رجالاً ونساءً بمواقف رجولية أكثر بكثير من مواقفنا نحن من ندّعي امتلاك ناصية القيم والمبادئ,
هل أُلام بعد ذلك إن شعرتُ بأنني مواطنة من الدرجة الثالثة أو العاشرة؟ وكيف لا وأنا أعلم بأنني لو حصلتُ على أعلى الدرجات العلمية، وتسنّمت أعلى المناصب السياسية أو الثقافية على مستوى العالم فلا مكان لي في بلدي ، فلو كنت (ثريا عبيد) التي تلتقي قادة العالم، أو (حياة سندي) التي صفّق لها البريطانيون وقوفاً وتوسلت لها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) لتعمل معها، ولو كنتُ (إلهام أبو الجدايل) التي تسوّق الشركات البريطانية أدويتها، أو سلوى الهزّاع أو..أو... فما أنا في النهاية سوى امرأة يستطيع أصغر موظف أو منظم لمؤتمر أن يطردني من القاعة لا لسبب إلا لأن أحدهم تؤذيه رؤيتي, وهذا ـ الأحد ـ ليس ذلك الشخص عالم الذرة الخطير، أو خبير الفضاء القدير، بل واحدٌ من الآلاف ممّن يعتقدون أنهم قرؤوا بعض الكتب فظنّوا أنفسهم علماء.
ولا أعرف حقاً كيف فاتت هؤلاء "العلماء" كل الأحاديث وقصص السيرة وعيون التاريخ الإسلامي حين كان الرجال والنساء يغشُون المجلس ذاته؟ بل ولا أعرف إن كانوا قد زاروا المسجد الحرام يوماً وشاهدوا" الاختلاط" الذي يجري هناك.
وطبعاً هذا غيض من فيض مما يحصل للمرأة في هذا البلد، حيث تُزوج لشيخ عاجز بلا إذن، وتُطلق من زوج حبيب بلا رأي، وتُضرب كزوجة أو تُقتل كطفلة بلا عقوبة، وتُغتصب بشكل جماعي عنوة ثم تُجلد، وفي النهاية يقال لها ببراءة بأنها "درة مكنونة" .
مقالي هذا رسالة من مواطنة بسيطة ومحبّة لبلادها.. وجلّ ما تريده هو أن تعيش بكرامة وحرية وأمن وسلام في بلادها. ترى ..هل هذا كثير؟