|
لقد منَّ الله على المسلمين بيومين في كل سنة؛ يفرحون بهما بما أفاء الله عليهم من نعم وفضل, ففي عيد الفطر يفرح المؤمنون بإكمال صومهم، وتوفيق الله لهم في قيام شهرهم؛ وفي عيد الأضحى يفرحون بحجّهم، ويتذكرون ما سلف من تاريخهم، فيكثرون من عمل الخيرات، وتقديم القُربات والمساهمة في الخيرات، يدفعون عن الفقراء غوائل الفقر وكارثة العوز.
ولقد سنَّ لنا النبي -
صلى الله عليه وسلم- بعض السنن في هذا اليوم المبارك من بينها:
التجمّل للعيد:
فيحسن بك أن تلبس للعيد أحسن الثياب مع التطيّب وحسن الهندام؛ إذ روى ابن خزيمة –رحمه الله- عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما-: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بُرده الأحمر في العيدين وفي الجمعة".
الإفطار قبل الصلاة:
كذلك فإن من السنّة الحميدة أن يُبادر المسلم إلى الإفطار قبل الخروج إلى الصلاة على تمرات يأكلهن وترًا؛ فعن أنس- رضي الله عنه- قال: كان النبي
صلى الله عليه وسلم
لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترًا" رواه البخاري وأحمد.
التكبير في صبيحة العيد:
وعلى المسلم أن يُكثر صبيحة العيد من التكبير؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما-: "أنه كان إذا غدا إلى المصلّى كبَّر فرفع صوته بالتكبير"، وفي رواية: "كان يغدو إلى المصلّى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبّر حتى يأتي المصلّى، ثم يكبّر بالمصلّى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير".
الذهاب إلى الصلاة من طريق، والإياب من طريق آخر:
ويسنّ كذلك أن يذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويعود إلى بيته من طريق آخر؛ لتكثر الخطوات، ويكثر من يشاهده من الملائكة، والله أعلم؛ فعن جابر - رضي الله عنه- قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق" رواه البخاري.
فإذا أكمل المسلم صيامه، وتقرّب به إلى الله بالنوافل، فقام الشهر المبارك وأحسن فيه العمل نال الجائزة الكبرى, وإن من سنن الكون وناموس الحياة أنَّ من يعمل يأخذ أجرة عمله بعد انتهاء ذلك العمل، والمسلم الذي صام رمضان إيمانًا بالله واحتسابًا لوجهه الكريم له أجر عظيم؛ فعن أنس قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة، يصلّون على عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ، فإذا كان يوم عيدهم – يعني يوم فطرهم- باهى بهم ملائكته، فقال يا ملائكتي! ما جزاء أجير وفَّى عمله؟ قالوا: ربَّنا جزاؤه أن يُوفَّى أجرُه, قال ملائكتي! عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعجون إلى الدعاء، وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول: ارجعوا فقد غفرت لكم، وبدلت سيئاتكم حسنات. قال: فيرجعون مغفورًا لهم" رواه البيهقي في شعب الإيمان.
فهذه جائزة المؤمن يوم عيد الفطر؛ فإن الله يوفّيه أجره كاملاً، ويباهي به الملائكة؛ فيجدر بالمؤمن ألا يفسد يومه بالمعاصي والملاهي وألا يغفل عن الذكر والدعاء، وعليه الإكثار من الطاعات في هذا اليوم المبارك، وله أن يلهو لهوًا مباحًا لا ينسيه فرائضه.
وكما يتحقق معنى العيد عند المؤمن بنيل أجره؛ فيجب أن يحقق هذا المؤمن معنى العيد بين الفقراء والمساكين، فيقدم لهم الهدايا والعطايا، ويحسن إليهم وإلى أولادهم؛ حتى يدخل الفرحة والبهجة إلى قلوبهم، ويحسّوا بالألفة والمحبة والتعاون والتكافل بين المسلمين.
إن العيد يُضفي على القلوب الأنس، وعلى النفوس البهجة، وهو يجدد أواصر المحبة بين الأخلاّء، ويوجد التراحم والتعاون بين الأغنياء والفقراء؛ فهو يجمع كل القلوب على الألفة، ويخلص النفوس من الضغائن فتشمل الفرحة كل بيت وتعم كل أسرة، وفيه تتحقق الوحدة الإسلامية الكبرى؛ فيشترك كل المسلمين في الفرحة والغبطة بحلول العيد عليهم.
إن ما نراه من مظاهر التعاون والتكافل في مجتمعنا الإسلامي الكبير هو أمر طيب نحبه ونحرص عليه، ونود من إخواننا جميعًا أن يشعروا بحق الفقراء وأولادهم في هذا اليوم بالفرح؛ فيعطوهم من الخيرات ما يدخل على نفوسهم الراحة والاطمئنان، ويكسب قلوبهم السكينة والراحة، ويورث وجوههم البسمة والفرحة؛ فنلبسهم الجديد من الثياب، ونطعمهم الطيب من الطعام، فيفرحون مع فرحة أولادنا، ويبتسمون مع بسمة أطفالنا.
ويجب ألا ينسينا العيد والفرح به النساء الثكالى والشيوخ والأطفال الذين يرزحون تحت وطأة الظلم في بلاد الطواغيت وتحت نير الاحتلال الصهيوني، ولنتذكر جيدًا يُتْمَ المسجد الأقصى، وغياب البسمة عن محياه تحت وطأة الاحتلال الصهيوني والتدنيس اليهودي لحرمه الشريف، ولنذكر ونحن نبتسم في العيد رجالاً جاهدوا في سبيل الله؛ فمنهم من استشهد وانتقل إلى دار الخلود، ومنهم من وقع أسيرًا في أيدي العدو, فهؤلاء لا ننساهم ولا ننسى حقهم علينا العمل بكل الطرق والوسائل لتخليصهم، كما لا ننسى أسرهم ومن يعولون من الآباء والأطفال؛ فنحسن إليهم ونواسيهم، نمسح دموع اليُتم عنهم وندخل الفرحة والغبطة إلى قلوبهم.
تلك هي معاني العيد، وهذه هي مستهدفاته؛ فإن انحرف بنا الطريق إلى غير ذلك من لهو وعبث ومجون وبث أفلام ومسلسلات ومسرحيات، فتلك هي الكارثة التي تقع الآن في بعض بلاد المسلمين.
وفي هذا الإطار ينبغي أن يتنبه الدعاة إلى ضرورة تصحيح هذه المفاهيم وتوضيح مقاصد العيد؛ حتى ننعم بمرضاة الله عز وجل.
|